الرسالة التي تحملها حركة تداول الكتب بين ايدي الطلبة تحمل العديد من المضامين والدلالات ذات الايحاء الايجابي. ومنها ما اشرنا اليه البارحة من حالة الظمأ الى المعرفة، والشوق الى الاكتشاف والمغامرة ولو من خلال التجوال بين صفحات الروايات كنوع من الاجتهاد الشخصي في ايجاد بديل عملي يناسب حاجاتهم الخاصة، ويحاكي رغبتهم في الاستمتاع بوقتهم عن طريق بدا اكثر جاذبية وقدرة على تحقيق هذا المطلب العزيز. وكما أسلفنا القول فان جهاز التلفاز بدأ وكأنه لا يعترف بوجود شريحة كبيرة من جمهوره هي شريحة الشبيبة والفتيات المراهقات. ولا ندري ان كان ذلك استخفافاً بالاطفال، ام انه تهوين لشأنهم، حين تصر المحطات الفضائية على تكرار المسلسلات الكرتونية منذ اعوام عدة، وينسى المشرفون على تلك المحطات ان الاطفال الصغار قد كبروا، وان نسبة كبيرة منهم قد ودعت مرحلة الطفولة، وخطت نحو مرحلة عمرية تتطلب نوعاً من البرامج التي تناسب اعمارهم، والتي كان ينبغي ان يحسب لها حساب خاص في خارطة البرامج التلفازية. ولكن ذلك الامل ذهب ادراج الرياح حين ظلت مسلسلات ريمي، وزورو، والديجيتال تعرض على انظار الشباب الصغار. لقد نفض هذا الجيل الذي يخطو خطواته الاولى نحو مرحلة اكثر نضجا ومسئولية يديه من التلفاز، ومضى يبحث له عن بديل اخر يستجيب لتطلعاته، وحاجاته الفطرية في الاستمتاع النظيف بشيء من اللهو والتسلية. وقد تزاحمت عليه البدائل الالكترونية لدرجة اصابته باختلال في المزاج، فقد معها قدرته من جديد على الاستمتاع بمساحة من الزمن تكون له لا عليه وتحسب في صالحه وليس العكس. لقد كانت البدائل الجديدة من النوع الذي يأخذ ولا يعطي على الاطلاق. حيث يأخذ الوقت والجهد، بينما لا يعود على المستخدم الا بالارهاق والتعب وتوتر الاعصاب. لقد اقتحمت الألعاب الالكترونية على الناشيء الصغير حياته، وان بدا للوهلة الاولى انه هو من يسعى لشرائها وحيازتها بين يديه. ولكن الاختيار الذاتي سرعان ما ينقلب الى نوع من الاسر والارتهان لوقته وعقله بعد ان تصيبه تلك الالعاب بحالة من الذهول والانخلاع عن بيئته المحيطة ليدخل في مباراة صعبة مع كائنات رقمية تظهر على شاشة العرض، وفي لمح البصر تختفي او تقفز او تتحطم، والمطلوب منه ان يسابق الزمن لكي لا يخسر المباراة. وعلى نفس طريقة الكائنات الرقمية في مسلسل ابطال الديجيتال، ينخلع الصغير عن أسرته ويرحل الى عالم الارقام. ليفوز في النهاية بدرجة تحدد له مدى كفاءته في الاستغراق مع تلك اللعبة والانشغال بها عن سواها!! والاثار السلبية للالعاب الالكترونية لم تعد خافية على احد، كما ان الناشيء الصغير بدأ يشعر من جديد ان شوقه الى تجربة مثيرة يخوضها بنفسه، وتشبع رغبته في التعرف على شيء جديد لم ينطفيء بعد. فالملل عاد مرة اخرى وفي ثوب جديد ليلف حياته، وسويعات اللعب مع الرفاق لم تعد تكفي لتشغله عن العديد من التساؤلات حول الحياة والاحياء من حوله. وفي محاولة تالية لصياغة بدائل اخرى تطرد الملل والشعور بالسأم لجأ بعض الفتية والفتيات الى الكتاب كملاذ آمن يسرجون فيه بعض المصابيح الصغيرة التي تبعث النور في المكان، وتنشر الرؤية في المساحة المحيطة بهم. والذي نود أن نسجله في هذا الموقف هو أهمية الاسراع بتكوين مكتبة مستقلة لكل فصل دراسي تتكون من مساهمات الطلاب من الكتب المتوفرة في منازلهم، ويتم تداولها باشراف احد المعلمين المتحمسين لهذه الفكرة لكي يفتح نافذة على الابداع من خلال هذا الجهد البسيط.