بداية.. لابد ان نعرف ان اصل كلمة «امتحان» مأخوذ من اسم مخترع فكرة الامتحان، وهو المفكر والفيلسوف اليوناني القديم «امتحانيوس» الذي عاصر الامبراطور «بطشانيان» الاول في اسبرطة القديمة وكان مستشارا خاصا له..! كانت سمعة الامبراطور «بطشانيان» في ذلك الوقت ترتبط بسلسلة من الاجراءات القمعية بطش فيها بالعديد من خصومه وبكل من يجرؤ على معارضته، فنصحه مستشاره الامين «امتحانيوس» بمحاولة تحسين سمعته في العالم القديم واللجوء الى اسلوب حضاري لتصفية خصومه بدلا من التعذيب وقطع الأعناق والتنكيل بكل المعارضين دون تحقيق ولا محاكمة، بعد تفكير عميق اقتنع «بطشانيان» برأي مستشاره، ولم ير بأسا من الأخذ بنصيحته ما دامت ستصل به في نهاية المطاف الى الغرض نفسه.. وهو التخلص من أعدائه او من يتصور انهم أعداؤه، ولكنه احتار في ذلك البديل الحضاري الذي اقترحه مستشاره الأمين..، فسأله عن هذا البديل..، وكأنما كان «امتحانيوس» ينتظر هذا السؤال فابتسم وقال: ـ المسألة في غاية البساطة يا مولاي، عليك ان تجمع خصومك ومعارضيك في تاريخ محدد من كل عام.. وليكن شهر «يونيو» مثلا، ثم تسلم كلا منهم مجموعة من الكتب في شتى العلوم والمعارف، طالبا منهم ان يقرأوها عدة مرات وان يحفظوها كلمة كلمة وجملة جملة خلال مدة معينة، على أن يعودوا اليك بعد فترة معينة، لاختبارهم في مدى فهمهم وحفظهم لكل ما ورد بجميع الكتب التي تسلموها، معلنا للشعب انها حملة على الجهل والجهلاء...، وأن هؤلاء المشاغبين والمعارضين سوف يتم العفو والافراج عنهم اذا نجحوا في الاختبار.. وفي المقابل سيتم شنق كل من يخطيء في الاجابة او في الحفظ و«الصم» لكل كلمة في كل كتاب. وقاطعه الامبراطور متشككا: ـ وماذا لو نجحوا في الاختبارات.. وأجابوا على جميع الأسئلة اجابة صحيحة..؟ وبخبث العلماء ودهائهم اجاب «امتحانيوس» باسما: ـ وهل فاتت علي هذه النقطة يا مولاي.. وهل تتصور جلالتك ان واحدا منهم ـ مهما بذل من جهد ـ سينجو من الفشل بطريقة او بأخرى وبالتالي ينجو برأسه من حبل المشنقة؟.. ـ وكيف ذلك ايها المستشار.. فهّمني.. مرة اخرى ابتسم «امتحانيوس» بدهاء وقال: ـ السر في الأسئلة يا مولاي..، سنضع لهم أسئلة تعجيزية بكل المقاييس، بعضها كالطلاسم.. وبعضها عن اشياء لم ترد أصلا في الكتب التي تسلموها، وبعضها مليء بالاخطاء اللغوية والمطبعية التي تذهب بهم بعيدا عن الاجابات المطلوبة، وأؤكد لجلالتك ان رأس اي منهم لن يفلت من حبل المشنقة، التي سيعلن انها جزاء الجهلاء في عصر العلم والعلماء الذي ارسيت جلالتك دعائمه ورعيته رعاية كريمة!! مرة اخرى تساءل بطشانيان بعد ان انشرح صدره لهذا الحل الديمقراطي السعيد: ـ هذه العملية ليست محاكمة ولا تحقيقا.. فماذا سنطلق عليها.. وبماذا نسميها، ولابد ان يكون الاسم حضاريا تبدو عليه البراءة ويوحي بالأمان وحسن النوايا.. ورد «امتحانيوس»: ـ عذرا يا مولاي.. لقد اقتبست الاسم من اسمي انا شخصيا، سنسميها «امتحان» يا مولاي، وستتم في أوائل كل صيف من كل عام، وسط دعاية اعلامية تؤكد ان ما يجري هو مهرجان علمي.. يشجع القراءة والثقافة.. ويعاقب الجهل والرافضين للثقافة، وان تشديد العقوبة ليس الهدف منه التنكيل او التشفي بقدر ما هو تشجيع للعلم وللعلماء.. وتخويف من الجهل والجهلاء..، وبذلك الاسلوب الديمقراطي في التخلص من المعارضين والمناوئين نبريء انفسنا امام الناس والتاريخ.. وكله «كما يقولون» بالقانون..!! وهكذا طارت رؤوس وقطعت اعناق على أيدي «لجان الافراج» هذه.. والتي اطلق عليها فيما بعد «لجان الامتحانات».. واصطلح على تسمية العملية ككل «الامتحانات».. وهو الاسم المتداول حاليا لتنكيد عيشة الناس.. واصبح شعار هذا الامتحان انه «تأديب.. وتهذيب.. واصلاح»..! وعندما رحل «بطشانيان الاول» وتولى الحكم بعده الامبراطور «بطشانيان الثاني» رأى التخفيف من بطش هذه الطريقة، فسمح للمتهمين من خصومه بفرصة ثانية للمثول امام «لجان الافراج».. او «لجان الامتحانات» كما صار بعد ذلك، ليجربوا حظهم مرة ثانية اذا ما هم فشلوا في امتحانهم الاول، وأطلق على الفرصة الاولى «الدور الاول».. واطلق على الفرصة الثانية «الدور الثاني».. وهو مازال متبعا حتى الان! ومن هذا التاريخ الاسبرطي القديم بدأت فكرة «الامتحانات» تنتشر، وتنوعت اسبابها واساليبها، واصبحت بمرور الاعوام والاعوام الوسيلة المثلى للانتقام من التلاميذ وتعقيدهم من العلم والدرس، والاهم من ذلك انها اتاحت الفرصة للمدرسين للتشفي من الطلاب الذين شاغبوهم طوال العام الدراسي، والاهم من هذا وذاك انها فتحت بابا واسعا للكسب والاسترزاق امام الالاف من المدرسين الذين راحوا يبيعون للطلاب وأهاليهم «صكوك الغفران» او «صكوك النجاح» تحت مسمى «الدروس الخصوصية».. داعين بالرحمة والغفران لصاحب الفضل الاول.. «امتحانيوس» فيلسوف زمانه ونابغة عصره وأوانه..!