المشكلة التي تبرز على السطح لا تكون أبداً وليدة اللحظة، بل هي المرحلة الاخيرة لسلسلة من التداعيات والخفايا التي كانت تدور تحت السطح قبل ان تتبلور وتخرج إلينا في هيئة «مشكلة». ولعلنا في مواجهة المشكلات نلجأ فورا إلى الحلول الظاهرية بيد ان الجذور التي نبتت منها تكون غائرة في الاعماق، وبعيدة عن العلاج، لذا فانها تظل تنبت المشكلة تلو الاخرى، ولو بدت احيانا بأشكال واساليب غير التي اعتدنا عليها في المرات السابقة. والمشكلة التي أفرزها حادث انهيار سقف مبنى عام تحت الانشاء في منطقة جبل علي الصناعية، كشفت الكثير من الحقائق التي كانت تتستر تحت غطاء تبسيط العمل وتسهيل الاجراءات، من اهمها أمر الالتزام بأنظمة البناء، والذي يلزم جميع الجهات سواء كانت من الافراد أو الشركات أو الدوائر الحكومية أو الهيئات أو المؤسسات العامة التي تخطط لاقامة ابنية دائمة أو مؤقتة، بالحصول على التصاريح اللازمة لذلك من البلدية قبل الشروع في اقامة هذه الابنية. والآن وقد وقعت الكارثة، سارعت الكثير من المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية وما يندرج منها تحت مسمى القطاع الخاص إلى تصديق مخططاتها وتخليص معاملات مبانيها لدى الجهات المعنية، بعد ان كانت قد قطعت شوطا في أعمال البناء دون ترخيص، فوجدت نفسها فجأة ملزمة بذلك، خصوصا وان الحادث جعل الجميع أمام مساءلة القانون. ان واقع التسهيلات وتبسيط اجراءات العمل في دوائرنا الحكومية، ليست بابا للتهاون في تطبيق اللوائح والانظمة ومنفذا فوق القانون، بل فن في لغة الادارة الحديثة، ومفهوم استراتيجي في أداء المدن المعاصرة، يرقى بعمل المؤسسات، ويحفز العاملين على سرعة الانجاز والعمل على رضا العملاء، وعلى هذه المؤسسات ان تكون محل القدوة إلى موظفيها، وسائر أفراد الجمهور، في تطبيق القانون على نفسها أولا قبل فرضه على الآخرين. ومما لا شك فيه ان ملف «انهيار السقف» فتح الباب على الكثير من الأمور الأخرى التي غالبا ما يعتمد انجازها على أكثر من جهة، فتظل في كثير الاحيان عالقة دون ان يبت في امرها، تقرع ناقوس الخطر، فلا يحرك احد ساكنا، حتى تقع الكارثة، ثم تحشد الجهود والامكانيات لاحتوائها، فتعالج موضعيا، وتترك إلى حين ان تذكرنا بها مشكلة أخرى، وهلم جرة..، فما العبرة من الدرس إذن؟!