حتى وقت قريب لم يكن موضوع العراق، أو بالأدق تغيير الحكم في هذا البلد، حاضرا بهذه القوة في الساحة الدولية. كان الموضوع الفلسطيني، الأبرز والأعلى شأنا، على الأقل بسبب العمليات «الاستشهادية» التي أفزعت الإسرائيليين والأميركيين والعديد من الأوساط الدولية. لكن فجأة وبسرعة غريبة تدحرجت أوراق القضية العراقية وتكاثفت حتى أصبحت تسد عين الأفق السياسي، لا في المنطقة وحدها وإنما في العالم كله. الأغرب أن الحديث عن الشأن العراقي جذب معه الجميع، من يعنيهم الأمر ومن لا يعنيهم، المدبرين والمحركين الأساسيين، والمتأثرين والهامشيين على السواء. من الفكرة إلى الواقع تفسير ذلك كله قد يجد نفسه في النظرية السياسية الخاصة بكيفية تحويل الفكرة إلى واقع. ومضمون هذه النظرية أن الواقع لا يوجد من تلقاء نفسه عادة. وإدراكه ليست مسألة محسومة أو بديهية، في حين أنه يمكن أحيانا خلق واقع من مجرد رغبات أو أفكار متناثرة، إذا وضعت ضمن سياق وكيفية معينة. مثال ذلك أن أي شعب أو مجموعة بشرية قد تعاني وضعا (أو واقعا) لنفترض أنه يتسم بالظلم. لكن هذه المجموعة قد لا تملك الكيفية للتعبير عنه. إنها لا تعيه وقد لا تعرف أنها مظلومة. بل قد لا تدري أن ما تعانيه يسمى ظلما. وبالتالي لا تدري أنه يمكن رفعه أو إنهاؤه. وبالنتيجة لا أحد يعرف عن معاناتها. لكن ماذا يحدث إذا بدأ بعض أفراد المجموعة بالتفكير في هذا الظلم، ثم بدأوا في الشكوى منه، وإيصال صوتهم إلى الآخرين. هنا سوف يتحدث الجميع عن ذلك. وسيتطور الأمر ليصل إلى مفهوم العدل. وبدلا من الدعوة لرفع الظلم ستكون المطالبة بإقامة العدل. وقد تتسع هذه الحركة وتكتسب أنصارا جددا وقد تجد لها مؤيدين ومناصرين من خارج المجموعة. وقد يحالفها الحظ فتقضي على الظلم أخيرا. لقد تشكل واقع جديد مختلف إلى حد كبير عن الواقع السابق، والمراحل التي مرت بها هذه العملية يمكن جردها كالتالي : واقع الظلم، الوعي بالظلم، الحديث عن الظلم والشكوى منه، المطالبة بالعدل. والملاحظ أن كل مرحلة من هذه لا تقود بالضرورة (أو تلقائيا) إلى المرحلة التي تعقبها، رغم العلاقة الوثيقة فيما بينها (فالمطالبة بالعدل لم تكن لتحدث لو لم يع أفراد المجموعة أنهم يعانون ظلما). إن كثيراً من الشعوب أو الجماعات البشرية قد تعيش قرونا في ظل واقع، دون أن تدري به أو تعيه. وقد تتأخر، أو لا تأتي، مرحلة المطالبة أو النضال من أجل تغييره. وبالعكس فإن واقعا أو جزءاً من واقع، قد يكتسب الحديث عنه كما هائلا من الإثارة والضخ الإعلامي، بسبب حجم الوعي به وتركيز الأنظار عليه. دحرجة العراق ما الذي يعنيه ذلك في حالتي العراق وفلسطين؟ في الحالة الأولى (وباختصار) فإن تركيز الإدارة الأميركية وضخها كما هائلا من التصريحات والمعلومات حول إسقاط النظام العراقي، قد حولت نقطة النقاش من قضية التفتيش على الأسلحة والقرارات الدولية، إلى قضية إسقاط النظام. ومع زيادة التركيز سوف تتحول المسألة إلى كيفية خوض الحرب والسيناريوهات المتوقعة، وطبيعة النظام الذي سيخلفه والآثار الإقليمية والدولية الناجمة عن ذلك. يجب أن نلاحظ أن واشنطن خاضت حرب الخليج الثانية بهدف رئيسي وهو إخراج القوات العراقية من الكويت، وهو ما تحقق، في حين شملت قرارات مجلس الأمن هدفاً آخر، وهو نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية، ووضعت من أجل ذلك آلية عمل ربطت نجاحها برفع الحصار عن العراق. لكن لم تتضمن تلك القرارات، كما لم تتحدث واشنطن نفسها بجدية في أي مرحلة سابقة عن إسقاط النظام العراقي. اليوم تتصدر هذه القضية المشهد، وتكاد تختفي مسألة المفتشين، بعد أن اختفت قضايا تهديد الجيران والمفقودين والحصار وتهريب النفط .. الخ. والمشكلة ليست في أن هذه (النقلات) غير مقنعة أو أنها معروفة الدوافع أو ليست مبررة من الناحية الأخلاقية، المشكلة أنها تخلق مع الوقت واقعا جديدا، يصعب الرجوع عنه. فالوعي بالشيء والتصريح به يرتب بالنتيجة واقعا عنه. والمسألة العراقية اليوم إزاء واقع جديد. رأس عرفات أما القضية الفلسطينية، فإن الكثير من فصولها ترجمة حرفية لهذه النظرية. يكفي النظر إلى رئيس السلطة الفلسطينية (التي لم يعد لها وجود فعليا) ياسر عرفات والحديث المتزايد حوله عن الدكتاتورية والفساد في سلطته. هل هناك من يجهل عرفات؟ إن الزعيم الفلسطيني يمسك بالقرار الفلسطيني بيد من حديد منذ أكثر من ثلاثين عاما. ولا أحد يتوقع أن منظمة التحرير أو حركة فتح أو أي من التنظيمات الفلسطينية أو العربية تدار بطريقة ديمقراطية. وفي غياب الديمقراطية يمكن تصور كل الموبقات .. من الفساد والتسلط وحتى حرب التصفيات الداخلية. فكيف أمكن الآن فقط اكتشاف كل هذه المساوئ في عرفات وفي طريقة إدارته للسلطة؟ الإجابة هي أنه الآن برزت الحاجة إلى التخلص منه. وبما أنه ليس من الممكن اغتياله أو إقناعه بالتنحي طوعيا، فان الوسيلة المثلى هي إسقاطه معنويا. وعملية الإسقاط تبدأ بالحديث عن الفساد والدكتاتورية وتتطور إلى ضرورة اختفائه من المسرح، واعتبار ذلك شرطا لأي تقدم في الملف الفلسطيني. إن تأكيد الرئيس الأميركي جورج بوش المتكرر لهذا الشرط ومعه مسئولو الإدارة الأميركية، فضلا عن الإسرائيليين مقصود لخلق واقع فلسطيني جديد. ويمكن القول إن هذا الواقع أصبح قائما اليوم ( وإن لم يكن بصورة كاملة)، بدليل أن عرفات لم يعد يحظى بأي ترحيب حتى في أوساط الزعماء العرب الذين تخلوا عنه عمليا ولم ينبر للدفاع عنه أحد منهم. مجمل القول إن الطريقة التي تدار بها القضايا الدولية (ومن بينها القضايا العربية) لا تتم وفق الطرق التقليدية دائما، بل يمكن أن تتم عبر ما يمكن أن نسميه «التنويم السياسي» الذي يقوم به السياسيون ووسائل الإعلام. والهدف هو الوصول إلى أقصى منطقة في لاوعي الإنسان والتأثير فيه أو التلاعب به لا فرق. ولذلك علينا أن لا نفاجأ كثيرا حين نسمع بين فترة وأخرى، انتقادات غربية توجه لهذه الدولة أو ذلك النظام العربي، رغم أن الأمر قد لا يكون متصورا قبل ذلك بأشهر أو بأيام أحيانا. فعنصر المفاجأة سرعان ما يتلاشى وسط التدفق الهائل للمعلومات والإشارات والتقارير والتصريحات. وما على الإنسان سوى أن يراقب فحسب كيف تتشكل القضايا وكيف تتم دحرجة الأوراق والدفع بها إلى حلبة المسرح السياسي واحدة بعد أخرى، وصولا إلى خنق الضحية. ـ كاتب بحريني