سلّطت المبادرة الأوروبية، المتعلّقة بحل القضية الفلسطينية، الأضواء على حقيقة وقوع هذه القضية، مجددا، في إسار الوصاية الدولية، بكل ما لذلك من تبعات وأبعاد، في ظل الهيمنة الأميركية على النظام الدولي. ويمكن التأريخ لهذه الحقبة، من الوصاية على القضية الفلسطينية، بالخطاب الذي ألقاه الرئيس بوش يوم 24 يونيو الماضي كما يمكن اعتبار اللجنة الرباعية، التي تضم وزراء خارجية: أمريكا وروسيا والاتحاد الأوروبي وممثّل الأمين العام للأمم المتحدة، بمثابة هيئة وصاية على هذه القضية. والمشكلة في الوصاية الدولية، التي تذكّر بعهود الانتداب التي ولّت، أنها لا تقتصر، هذه المرة، على تهدئة الطرفين المتصارعين (الفلسطينيين والإسرائيليين) أو على إيجاد حلول لقضايا الصراع بينهما، وإنما هي تشمل، أيضا، التدّخل المباشر في الشؤون الفلسطينية: السياسية والأمنية والمالية والقضائية وفي صياغات الدستور وبناء المؤسسات وطريقة إدارة السلطة لأوضاعها. ووصل الأمر إلى حد أن اللجنة الرباعية قدمت، في أوائل أغسطس الماضي، وثيقة تفصيلية عن الإصلاحات المطلوبة من السلطة الفلسطينية في جميع هذه المجالات. وتستند هيئة الوصاية هذه في عملها إلى التحركات والاتصالات التي تجريها مع الأطراف المعنيين، كما أنها تضع خططاً تفصيلية وتوكل إلى طواقم متخصّصة في المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية، متابعة التنفيذ وتقديم تقارير دورية كما أنها تعقد اجتماعات منتظمة لها. وفي إطار سعيها لتوسيع قاعدة عملها عمدت اللجنة الرباعية إلى تشكيل لجنة دولية معنية بالإصلاحات الفلسطينية تضم ممثلين عنها إضافة إلى ممثلين عن النرويج واليابان والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.وقد عقدت هذه اللجنة اجتماعا لها في باريس أواخر أغسطس الماضي، خصص لمناقشة الإصلاحات الفلسطينية، بحضور ياسر عبد ربه وسلام فياض وزيرا الإعلام والمالية في السلطة الفلسطينية. وفضلا عن هذا وذاك، فقد كلّفت الإدارة الأميركية وكالة التطوير الدوليو اس ايد بتولّي مهمة إعادة بناء السلطة الفلسطينية، وعيّنت ابنة نائب الرئيس الأميركي (تشيني) منسقة للمشاريع التي تنوي الوكالة إقامتها في الأراضي الفلسطينية في مجالات: التنمية الاقتصادية والمياه والبنى التحتية والديموقراطية والصحة والتعليم والعمل الاجتماعي، شرط أن تمر الأموال عبر إشراف مدقق، وذكر أن هذه الوكالة ستهتم تحديدا بإعادة تشكيل قوة أمنية فلسطينية. ومن مظاهر التدخل الأميركي، أيضا، أن ديفيد ساترفيلد نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي، الذي زار المنطقة في أواخر شهر أغسطس، طالب الفلسطينيين بإلغاء أو تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية، المزمع إجراؤها في يناير المقبل، بسبب تخوّف الإدارة الأميركية من ميل الشارع الفلسطيني لصالح الرئيس عرفات! كما أنه ثمة ضغوط أميركية على الفلسطينيين لاستحداث منصب رئيس للوزراء بصلاحيات كبيرة. عموما فإن القناعة بضرورة فرض وصاية دولية على القضية الفلسطينية نشأت بعد مخاض طويل، وبدفع من عوامل أهمها: أولا، التأثيرات السلبية للصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين على الاستقرار والأمن في المنطقة وعلى العلاقات الدولية؛ ثانيا، التجربة التفاوضية غير المجدية التي بيّنت استحالة توصل هذين الطرفين، لوحدهما، إلى حلول لقضايا الصراع بينهما، بسبب ثقل هذه القضايا من النواحي: السياسية والرمزية والعملية بالنسبة لكليهما؛ ثالثا، ضرورة المبادرة للتدّخل الدولي لفرض حلول وسط على الإسرائيليين والفلسطينيين بغرض تجنيب القيادات المعنية، لدى الطرفين، الإحراج الناجم عن مثل هذه التسوية، أمام شعبيهما؛ رابعا، المخاوف الناجمة عن الربط بين القضية الفلسطينية والقضايا الساخنة الأخرى وبخاصة قضية العراق. وفي الواقع فإنه ومنذ فشل مفاوضات كامب ديفيد 2 وطابا، بين الفلسطينيين والإسرائيليين، التي جرت برعاية أميركية (بين أواخر العام 2000 وأوائل العام 2001)، ازدادت الأصوات التي تطالب بفرض وصاية خارجية على القضية الفلسطينية ووضع الأراضي المحتلة تحت إدارة دولية، لفترة مرحلية، وإرسال قوات متعددة الجنسيات بقيادة أمريكية لفرض الهدوء في هذه الأراضي والتوجه، أخيرا، نحو فرض حلول معينة لقضايا الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وقد مهدت لهذا الطريق شخصيات سياسية وإعلامية بارزة من مثل الصحفي الأميركي توماس فريدمان والسفير الأميركي في إسرائيل(سابقا) مارتن أنديك ووزير الخارجية الإسرائيلية (سابقا) شلومو بن عامي وزعيم حزب ميريتس يوسي ساريد، وانضم لهم، مؤخرا، العديد من السياسيين الأوروبيين والأمريكيين.وكان هؤلاء قد انطلقوا في دعواهم من فرضية أساسية مفادها عجز أو عدم قدرة زعامتي الطرفين على قيادة شعبيهما نحو حل نهائي وتاريخي. وبحسب هؤلاء فإن الرئيس عرفات لا يستطيع التوصل إلى حل نهائي ـ تاريخي للقضية الفلسطينية لأنه يتصرف بوصفه زعيما شعبيا ورمزا تاريخيا للفلسطينيين، وهو، أيضا، متورط بالتحايل على الاتفاقات وبتغطيته للانتفاضة والمقاومة، وعلى الجانب الأخر يرى هؤلاء بأن شارون، أيضا، لا يمتلك أي مشروع للسلام مع الفلسطينيين، بحكم مواقفه السياسية المتطرفة ورفضه تسليم أية أراض جديدة للفلسطينيين وتمسكه بالمستوطنات وتركيزه على الأمن. وفي سياق عرض سيناريوهات الوصاية الدولية نشرت صحيفة معاريف يوم 8 يوليو الماضي، مثلا، مقالا لمارتين أنديك طالب فيها بوش بفرض ما أسماه وصاية على فلسطين بقيادة أمريكا، وبإعطاء بعد عربي لنظام الوصاية هذا بحيث تتوسع الرباعية لتشمل الثلاثية العربية (مصر والأردن والسعودية).أما بالنسبة للتفاصيل فهي حسب أنديك تفترض: أولا، قيام مجموعة دولية بالسيطرة على المناطق الفلسطينية، وفرض الأمن فيها من خلال قوة متعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة. ثانيا، عقد مؤتمر دولي يعلن عن قيام الدولة الفلسطينية لكنه يحتفظ بالوصاية عليها لثلاث سنوات؛ ثالثا، خلال هذه الفترة يتولى الأوصياء الإشراف على بناء مؤسسات الدولة الفتية الديمقراطية وانتخاب قيادتها والإشراف على المفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية لتحديد الحلول النهائية لها. ولكن الخطة الأكثر تفصيلا جاءت من مارتي أهتيساري الرئيس السابق لفنلندا، ورئيس المجموعة العالمية لحل الأزمات، ففي مؤتمر صحفي تم عقده في لندن، 16 يوليو الماضي، قدم أهتيساري باسم مجموعته خطة للتوصل الى تسوية سلمية شاملة بين العرب وإسرائيل.انطلاقا من أن هكذا تسوية، على حد تعبيره، ليست مجرد قضية إقليمية.وتنطلق هذه الخطة من ضرورة تغيير دينامية عملية السلام، بصوغ تصور شامل للمرحلة الأخيرة، أي ليس للنفق وحده بل للضوء في نهايته أيضا.وتتضمن الخطة مقترحات لتسوية عربية ـ إسرائيلية شاملة، وتطالب المجتمع الدولي بإيجاد قوة متعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة. الآن لا يبدو أن الخلل يكمن في مسألة الوصاية، بحد ذاتها، المفروضة بواقع موازين القوى والمعطيات غير المواتية بالنسبة للفلسطينيين وأيضا بحكم المسؤولية الدولية عن نشوء القضية الفلسطينية، إذ أن الخلل يكمن في عقلية هذه الوصاية، التي تحول قضية الاحتلال إلى قضية إصلاح، والضحية إلى معتد والمعتدي إلى ضحية! هذا أولا، وثانيا فإن الخلل يكمن، أساسا، في الوضع العربي الراهن الذي يبدو عاجزا عن تحمل تبعات القضية الفلسطينية.ويخشى من كل ذلك أن العرب ربما أضاعوا أو هم فقدوا القدرة على تقرير مستقبلهم وليس فقط مستقبل هذه القضية! ـ كاتب فلسطيني