أليس من المؤسف انه مع تصاعد الاشتباك الكلامي بين العراق وايران ينسى هذان الطرفان الجاران ـ اللذان تربط بينهما اكثر من وشيجة متينة ـ ان السياسة الامريكية العدائية التي يطلق عليها «الاحتواء المزدوج» موجهة ضد بغداد وطهران في آن معا؟ لقد تفجر هذا الاشتباك الكلامي اثر تصريح لنائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان قال فيه: «في كل مراحل الصدام بين الامة العربية والصهاينة وبين المسلمين والصهاينة كان الفرس هم حلفاء للصهاينة». ولكي نفهم المغزى العملي لهذا التصريح التعميمي علينا ان نستذكر انه صدر كرد فعل على تصريح لوزير الخارجية الايرانية كمال خرازي قال فيه: انه بينما تعارض طهران النوايا الامريكية المعلنة لضرب العراق فانها لن تقف عمليا الى جانب العراق او الولايات المتحدة اذا ما وقع الهجوم بالفعل. وانتهز الوزير الايراني هذه الفرصة ليذكر بغداد بأن عليها ان تلتزم بقرارات الامم المتحدة. اننا لن ندرك المعنى الحقيقي الاعمق لهذا التراشق الكلامي إلا في سياق الخلفية العدائية التي سيطرت على مجمل العلاقات بين الدولتين لمدى ما يقارب ربع قرن منذ قيام الثورة الايرانية الاسلامية في عام 1979 واستيلائها على السلطة. وفي هذا السياق تبرز بقوة مجريات الحرب الضروس التي تواصلت لمدى ثماني سنوات متصلة ابتداء من عام 1980. واذا كان العداء المكتوم المتبادل بين الدولتين الذي يحول دون تطبيع كامل للعلاقات بينهما هو في الحقيقة من افرازات حرب الثمانينيات وتداعياتها فان حرب الخليج الثانية اضافت عداء على عداء. ان العراق لن ينسى بطبيعة الحال وقوف ايران على الحياد بينما كانت الطائرات والصواريخ الامريكية تنشر الدمار الشامل على الاراضي العراقية في شتاء عام 1991. ولكن من ناحية اخرى يتطلب الانصاف ان نتساءل: هل كان بوسع اي زعيم ايراني ان يدعو في ذلك الحين الى نصرة العراق متحديا بذلك مشاعر الشعب الايراني؟ ففي عام 1991 لم يكن قد مضى على نهاية الحرب العراقية ضد ايران سوى ثلاث سنوات. غير ان السؤال الاهم الذي ينبغي ان تطرحه كل من القيادتين العراقية والايرانية الآن هو: الى متى تستمر مرارة الماضي تفرض نفسها على توجهات وسياسات الدولتين المسلمتين في الحاضر والمستقبل.. علماً بأنهما حاضرا ومستقبلا صنفت فيهما الدولتان معا من منظور واشنطن كأهم عضوين في «محور الشر» الذي يجمعهما مع كوريا الشمالية؟ لقد ابتدعت الولايات المتحدة عقب حرب الخليج الثانية سياسة «الاحتواء المزدوج» ـ اي احتواء العراق وايران في آن معا كعدوين استراتيجيين في اطار الرؤية الامريكية لمستقبل الشرق الاوسط. واذا اخذنا في الحسبان ان هذه الرؤية الامريكية مبنية على اساس اعتبارات أمن اسرائيل في الحاضر ومساعدة الدولة اليهودية لتكون القوة الاقليمية العظمى المتفوقة في المستقبل فان ذلك يتطلب بطبيعة الحال الحيلولة دون ارتقاء اي من القوى العربية والاسلامية في المنطقة الى مستوى التفوق الاقليمي.. وفي مقدمة هذه القوى العراق وايران. اذن لم يشفع لبغداد لدى واشنطن انها شنت حربا طويلة المدى ضد نظام الثورة الاسلامية في ايران. وبنفس القدر لم يشفع لطهران انها اثناء الهجوم الاميركي الكاسح على العراق في التسعينيات نأت بنفسها عن الجار الشقيق. واذا كان هناك من درس ينبغي ان يستخلصه الطرفان العراقي والايراني من الحرب العراقية الايرانية وحرب الخليج الثانية فهو أولا ان هناك عدوا مشتركا.. وان هذا العدو هو تحديدا الولايات المتحدة.. وأن الهدف الاستراتيجي الثابت لهذا العدو هو اضعاف هاتين القوتين الاسلاميتين في منطقة الشرق الاوسط حتى يتاح المجال لبروز اسرائيل كقوة مهيمنة على الجميع. الآن تستهدف الولايات المتحدة العراق لرده مرة اخرى الى العصر الحجري بغرض حذف دوره من معادلة الصراع مع اسرائيل. لكن ذلك لا ينبغي ان يكون مصدر فرح لايران من باب استدعاء مشاعر الماضي الثأرية. فاذا نجحت الضربة الاميركية للعراق فانها ستكون بمثابة تمهيد للالتفات الى ايران. وهذه هي النهاية التي من اجلها صممت سياسة «الاحتواء المزدوج».