انتهى شهر العسل بعد أسابيع قليلة بين الشمال والجنوب السوداني والمسئول عن هذا الفشل هو الجو الذي خيم على المفاوضات، فقد جرت في جو يوحي بأنها مفاوضات تدور بين دولتين ، وليس بين فريقين تضمهما دولة واحدة، لدرجة ان الشمال سمح للجنوبيين باختيار الطريق الذي يروق لهم، اما الوحدة مع الشمال واما الانفصال، ومن يعرف السودان جيدا يدرك مدى المعاناة التي سببتها الحرب الاهلية للفريقين، ومن يعرف جارانج جيدا يعرف مدى طموحه ومدى شغفه بأن يكون رئيسا لدولة الجنوب. ولعل الخطوة البسيطة التي قام فيها جارانج باحتلال مدينة (توريت) هي علامة على نية الجنوبيين واستعدادهم لخوض الحرب في الجولة القادمة. وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم، فلولا هذه الحركة لما تبين الشماليون نوايا حركة جارانج وماتضمره في الخفاء. والحق أقول ان السبب في هذه المشكلة بين الشمال والجنوب هو المستعمر الانجليزي، الذي صور الشماليين على أنهم تجار عبيد، وانهم هم الذين تولوا خطف أهالي الجنوب وبيعهم كرقيق، وساهمت العملية في تعميق الخلافات بين سكان الشمال وسكان الجنوب، حتى تصور أهل الجنوب أن كل مواطن من شمال السودان هو تاجر رقيق. أذكر أن رئيس أحد النوادي السودانية الكبرى واسمه حسن أبوالعايلة دعاني واثناء زيارة العبد لله الى الخرطوم لزيارة الانشاءات الجديدة داخل النادي، وعندما ذهبت كانت هناك حركة دائبة في اعداد الملعب الرئيسي في النادي، وكان هناك عدد من العمال الجنوبيين يقومون بالعمل داخل النادي، وعندما مررت على مقربة منهم توقفوا عن العمل ووقفوا ينظرون نحوي، تصورت أن توقفهم هي حركة احترام لضيف في النادي قادم من القاهرة، وكان احدهم يبدو شابا ومذعورا وهو ينظر نحوي، وأردت أن اطمئنه بالقاء السلام عليه. فقلت له ازيك ياعبد وكان الفتى يمسك بخرطوم مياه يرش به أرض الملعب، وفي أقل من لحظات خاطفة، ألقى الشاب الجنوبي بالخرطوم على الأرض وانطلق عدوا في اتجاه سور الملعب، ثم قفز من فوق السور قفزة ولا أبطال العشاري، وانتابتني دهشة فسألت رئيس النادي عن السبب في انطلاقه، فرد الرجل في بساطة. ـ لقد هرب وسألته عن السبب فأجابه ـ لقد تصور انك تاجر رقيق، عندما ناديته.. ياعبد سألته. وأين ذهب، أجاب ـ لقد اختفى. وقلت ومتى يعود، قال ـ لن يعود بالتأكيد. قلت ـ وماالسبب، قال: ـ الخوف، وأردف ـ لقد رباهم الاستعمار على أن كل الشماليين تجار الرقيق، وعندما ناديت (ياعبد) تصور انك تناديه (ياعبد) قلت ـ الى هذا الحد بلغ الشك؟ أجاب ـ وأكثر من هذا المسألة اذن قديمة ومعقدة، بالرغم من وجود أكثر من 30 في المائة من أهل الجنوب يسكنون في الخرطوم، وبالرغم من انني رأيت جنوبيين كثيرين في بيوت الشماليين والسياسيين منهم على وجه الخصوص.. وقد استغلت حركة جارانج هذا الخوف من جانب الجنوبيين واستثمرته خير استثمار لصالح الحركة. ولا أبرئ بعض التصرفات من أهل الشمال من توسيع هذا الجرح وتعميقه، رغم انها تصرفاته فردية، بينما الحكومة السودانية تبذل أقصى جهدها لمحو اثار هذا التصرفات الفردية. ومع ذلك فقد أخطأ المفاوضون الشماليون بالتسليم للجنوبيين خلال المفاوضات بانهم احرار في اختيار الطريق الذي يروق لهم بعد مهلة الست سنوات، لأن جارانج يحلم بحكم الجنوب كرئيس، ولو حدث هذا ستنقسم أوغندا، وستنقسم كينيا، كما قال الرئيس مبارك بحق. والآن، أمام حكومة السودان فرصة لرأب الصدع ولادخال الطمأنينة في قلوب أهل الجنوب، ولتشكيل حكومة جديدة تضم أهل الجنوب مع أهل الشمال، ليقوم السودان الجديد الذي ننتظره جميعا ونتوقعه. ومرحبا بالسودان الجديد. الذي انتهى شهر العسل فيه الى شهر عسل أسود!