الخلايا السرطانية في جسمه كانت من ذلك النوع النشط، الذي يتميز بحيوية تكاثر وسرعة انتشار، لذلك لم يمهله المرض اللعين لأكثر من ستة اشهر من «اللحظة ، التي هاتفني يخبرني بما قال له الطبيب بطبيعة الورم الذي عنده، ولم يحدد طبيبه بعد ان كان من النوع الحميد او خلافه» مع الايام ومن كثرة الفحوص والتحاليل والعمليات، عرفت عن مرضه اكثر مما يعرف هو، وفي كل المراحل الصعبة والقاسية التي يمر بها من ابتلي بمثل مرضه، لم يكن لي خيار غير ان اهون عليه واشجعه على تحمل الام العلاج، التي عانى منها بقدر معاناته وآلامه المبرحة من المرض ذاته. عبيد عيسى سيف الطويل، هذا هو اسمه الكامل، انسان بسيط ولد في عجمان، واشتد عوده وساعده في دبي، عاش يحاول التكسب في الحياة ودون له في خانة المهنة «كاسب»، وهي مهنة من لم يسعفه زمانه وبيئته بالتعلم، فلم يحصد في حياته غير التعب والترحال وراء كسب الرزق، سافر الى الكويت يبحث عن رزقه ولقمة العيش هناك، وكان حاله كحال الكثيرين في ذلك الزمان، ثم عاد الى دبي التي عشقها صغيرا واحب سكيكها وبحرها، ولانه امين بحر، لازم والده في رحلات الغوص، وجد ضالته وكسب رزقه من خيرات البحر، فصار يشتري ويبيع السمك في سوق السمك بديره، ومع الوقت وتحديث اركان السوق صارت له «دكه» يبيع عليها، في البداية كان يباشر طقوس هذا العمل بنفسه، وظل على هذه الحال سنوات وسنوات، حتى اشتهر في نطاق السوق باسم «عبيد العيماني» يعرفه من اعتادوا التردد على السوق، وكثيراً ما كان يقول لي «وايد من ربعك في السوق، وخاصة يوم الجمعة». خالي عبيد «هكذا كنت اناديه دائماً، كان محدود الرزق في المال ومعدوم في العيال، ورغم انه تزوج مرتين، لكنه كان راضيا بما قسم الله له، وعندما اشتد عليه المرض في ايامه الاخيرة وجدته صبوراً مفوضاً امره وحاله الى المولى عز وجل، ويردد على مسامعي «ان امر مرضي بيد الله، ولا احد يستطيع ان يفعل شيئا غير ما اراد الله». لقد كانت تجربة قاسية ومريرة، ان تتعايش مع حالة من تنظر الى وجهه صباح مساء، وانت تدرك ان الايام صارت معدودة امامه، فتمر الأيام سريعة وثقيلة في آن واحد، وتزداد الحالة قسوة وصعوبة، عندما يعلمك الاطباء ان الحالة تنتظر اذن خالقها. صحيح ان من رحمة الباري بعباده، انه ينزل رحمته قبل ان ينزل بلاءه فتكون هذه الرحمة هي الطاقة التي تمدك بالقدرة على التحمل والصبر على ما ابتلاك الا ان الحالة وظروفها تأخذ منك الكثير، خاصة عندما تجد نفسك وحيداً في عائلة مطالباً ان تنوب عنها في كل شيء... رحم الله خالي بواسع رحمته، واسكنه فسيح جناته وإنا لله وإنا اليه راجعون.