هل الخيار الوحيد المتاح امام اطفالنا وشبابنا وربما الأمة بأكملها هو ان تختار اما نموذج طالبان الافغاني أو النموذج الغربي الحديث الذي نرى بعض تجلياته عبر الفضائيات الان وما فيه من انحلال وفسق وفجور؟. هذا السؤال ومن ضمنه علاقتنا بالغرب يشغل بال كل المهمومين بأمر هذه الامة طوال العصر الحديث وربما منذ عودة العلامة المصري رفاعة رافع الطهطاوي من رحلته الشهيرة الى باريس وكتابه الذي فجر هذا الجدل وحمل عنوان «تلخيص الابريز في تخليص باريز». تذكرت هذا الجدل بطريقة ما وأن اقرأ مقال الزميل سامي الريامي بصدر الصفحة الاولى في «بيان 2» يوم السبت الماضي تحت عنوان «بابا فين.. نقولو مين». عندما وقع نظري على العنوان تصورت أنني سأقرأ موضوعاً ساخراً ضاحكاً خفيفاً كما عودنا الزميل سامي لكن المفاجأة التي اكتشفتها في نهاية المقال هي ان سامي كان جاداً للغاية، وانقلبت شخصيته المحبة للضحك والمرح والنكت حتى الثمالة، متقمصاً دور الواعظ، الساخط على هذه الاغنية باعتبارها تساهم في تهميش عقول الاطفال، وتضر جيلاً بأكمله، وانها تحول البنات الصغار الى منافسات لفيفي عبده وبقية نجمات الرقص. وقبل أن اكتب هذه الكلمات حرصت على سؤال اكبر عدد من الاصدقاء والزملاء عن رأيهم في هذه الاغنية التي تبثها الفضائيات هذه الايام وتحولت الى «موضة» بين غالبية الاطفال العرب يردون بها على كل من يطلب والدهم تليفونياً في المنزل! .. كل من سألتهم بلا استثناء اكدوا انهم لم يروا في هذه الاغنية ما يشين، بل ان بعضهم يعتقد أننا نفتقد لمثل هذه الاغاني الموجهة خصيصا الى الاطفال ومكتوبة وملحنة بطريقة تشيع البهجة والفرح بين الاطفال. المقصد هنا ليس الخلاف حول اغنية دفاعاً عنها أو هجوماً عليها، القضية في اعتقادي اعمق من ذلك بكثير، بل هي ليست حول الفن وهل هو حلال أو حرام؟ باعتبار ان هذه القضية اصبحت شبه محسومة لمصلحة ان العبرة بدور الفن نفسه وهل هو مفيد للمجتمع أم ضار به؟ المقصد أو ما أثار غضبي وحزني بعد مقال الزميل سامي هو اننا احيانا نريد ان نحاكم اطفالنا بالمقاييس التي نحاكم بها انفسنا ككبار، ليس معنى ذلك ان نشيع الرذيلة بين الاطفال، ما اقصده يدور باختصار حول ضرورة اشاعة الفرح والبهجة والضحك بين هؤلاء الصغار،.. ذلك ليس امراً سهلاً بل اصبح صناعة وتجارة، وهناك الان اكاديميات ومدارس تدرس فن الضحك، والبعض يشتري بالمال «نكات» كي يضحك لمدة دقيقة واحدة للتغلب على الحياة المعقدة واللهاث وراء لقمة العيش والاحتياجات المتجددة في عالمنا المعقد. ما العيب ان يلهو الاطفال قليلا يمرحون ويغنون في جو بريء وفي اطار كوميدي محترم، حتى ينشأوا كشخصيات غير مكتئبة، تشيع البهجة فيمن حولها؟! بالطبع الأساس في التربية هو تعليم النشء أسس ديننا وحضارتنا وقيمنا، لكن داخل هذه القيم والحضارة فان الدين الاسلامي نفسه باعتباره ديناً وسطياً يطالبنا بالفرح وجوهره انه نزل لاسعاد البشر وليس اصابتهم بالكآبة، ثم ان الرسول عليه الصلاة والسلام اقر استخدام الدف والغناء في الافراح والاعياد. لا نريد لاطفالنا ان يتحولوا الى امثلة تافهة ومكررة لبعض انماط الشباب الغربي المدمن والمنحل كما لا نريد لطفلاتنا ان يصبحن جميعا فيفي عبده .. لكن في المقابل لا نريد ايضا ان يكون المستقبل الذي ينتظر هؤلاء هو «النموذج الافغاني الطالباني»، فهناك شبه اعتقاد بين غالبية المثقفين والباحثين ورجال الدين المعتدلين العرب والمسلمين ان هذا النموذج سبب لنا خسارة يصعب حصرها الان وربما سوف تستمر لعشرات السنوات قبل ان نتمكن من تصحيح صورة ديننا الحقيقية امام العالم. الضحك ليس تهمة واللهو البريء مطلوب طالما اننا نراعي عاداتنا وتقاليدنا، لكن ان نحشر انفسنا بين اما «طالبان أو فيفي عبده» فذلك أمر غريب.. اضحكوا يرحمكم الله.