رغم الضجيج الهائل الذي تثيره الولايات المتحدة الاميركية حول ضرب العراق الا ان التأمل في الاحداث وقراءتها، بتأن والبحث في معطياتها من جوانب عديدة يؤكد ان ضرب العراق ليس وحده الهدف الرئيسي للولايات المتحدة وانما قد يكون الغطاء المعلن للأهداف الاميركية الحقيقية من اجل ترتيب المنطقة كلها علاوة على التغطية على الفضائح الداخلية التي تلاحق ادارة بوش. الهروب الى الخارج فمن الناحية الداخلية في الولايات المتحدة قد يكون رفع الصوت بالحديث عن العدو الخارجي والحرب التي ينبغي ان تخوضها الولايات المتحدة ضده مخرجا لادارة بوش من الفضائح الهائلة التي تلاحقها في شتى المجالات والتي آخرها ما ذكرته صحيفة «الشرق الاوسط» في 26 اغسطس الماضي عن اتهامات لكل من ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد بالتغطية على قتل عالم كبير في السي اي ايه هو فرانك اولسون الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية سي اي ايه، اما الرئيس جورج بوش فانه يسعى دائما لصرف انظار الاميركيين عن الفضائح التي تلاحق ادارته الى المعركة القادمة التي ينبغي ان تخوضها الولايات المتحدة وقد عبر عن هذا مرارا في خطاباته الاخيرة حيث قال في خطابه الذي القاه في شهر يوليو الماضي في الاكاديمية العسكرية في وست يونيت «اننا يجب ان ننقل المعركة الى ارض العدو، علينا ان نمزق خططه، وان نواجه اسوأ التهديدات قبل ان تخرج الى العلن». وسط هذا الضجيج فان الاهداف الحقيقية للولايات المتحدة الأميركية تتوزع على عدة محاور الاول: هو محور فلسطين الذي يتيح لاسرائيل ان تدمر الادمية الفلسطينية دون ان يكون للفلسطينيين حتى حق التأوه او الصراخ ويصبح ما تقوم به اسرائيل وفق العرف الاميركي دفاعا مشروعا عن النفس حتى لو كان قصف منزل مأهول بالسكان المدنيين بطائرة اف 16 وبقنبلة زنتها طن بحجة اغتيال صلاح شحادة احد زعماء حركة حماس، فاسرائيل باختصار تقوم في ظل هذا الضجيج الاميركي بترتيب الاوضاع في فلسطين بالشكل الذي يروق لها وسط كم هائل من الجرائم الارهابية التي تتستر بها أميركا على اسرائيل. ولعل تصريح رئيس اركان الجيش الاسرائيلي الجنرال موشيه يعالون يوم الخميس الماضي 29 اغسطس بأن المعركة التي تخوضها اسرائيل مع الفلسطينيين هي اهم معركة تخوضها اسرائيل منذ حرب العام 1948 يؤكد طبيعة التغطية التي تقوم بها اميركا للجرائم الاسرائيلية واهدافها الحقيقية الآنية تجاه الشعب الفلسطيني. اعادة بناء المنطقة اما على صعيد الدول العربية فهناك عملية ابتزاز واضحة تقوم بها واشنطن في ظل تهديدها للعراق لكل من مصر والسعودية باعتبارهما الدولتين ذواتي الثقل الاكبر في صناعة القرار العربي وكل منهما بطريقتها، ولعل تدخلها في السودان وترتيب الاتفاق الاخير الذي يضر بشكل مباشر بالامن القومي العربي وليس المصري فقط كما يرى كثير من المراقبين، في الوقت نفسه هناك عملية ترتيب كاملة للمنطقة في مجالات التعليم والبناء السياسي والاجتماعي ومحاولات محمومة لسلخ الامة عن هويتها، وتاريخها وتذويبها في الزمن والمعتقد الاميركي الاسرائيلي حيث اصبح من الصعب الآن في منطقة الشرق الاوسط التمييز بين المصالح الاسرائيلية والأميركية. وعلى الصعيد العسكري فقد لا تكون العراق وحدها هدفا في ظل دراسات كثيرة تؤكد ان الادارة الاميركية مازالت مشوشة في أمر ضرب العراق منها ما اشار اليه الكاتب الاميركي جريج جوردون في صحيفة «الواشنطن بوست» في 23 اغسطس الماضي، وهذا يتضح بشدة في تصريحات المسئولين الاميركيين وعلى رأسهم الرئيس بوش نفسه، ولأن السياسة الاميركية تجاه الشرق الاوسط مرتبطة رباطا وثيقا بالسياسة الاسرائيلية فلا يستبعد توجيه ضربة لايران وهذا ما اشارت له صحيفة «واشنطن بوست» حيث ذكرت ان الولايات المتحدة واسرائيل تدرسان امكان منع المفاعل النووي الايراني في بوشهر من بدء نشاطه او تدميره كليا في هجوم وقائي مباغت وهذا ما جعل وزير الاستخبارات الايراني علي يونسي يعلن يوم الثلاثاء الماضي 27 اغسطس انه لا يستبعد ان تقوم الولايات المتحدة بتوجيه ضربات عسكرية محدودة ضد بلاده. هذه المعطيات البسيطة تؤكد لنا ان ما يحدث ليس المقصود به هو العراق وحده، وانما الامر باختصار شديد هو اعادة صياغة وبناء للمنطقة كلها وفق الزمن الأميركي. ـ كاتب واعلامي مصري