التهديدات الأميركية بالعدوان على العراق تملأ الأجواء الدولية برائحة حرب وشيكة مدمرة في أكثر أقاليم العالم حساسية وسخونة. العسكرية الأميركية، تحفر الخنادق وتعد الذخائر وتوزع المهام القتالية. والبيت الأبيض يمارس دبلوماسية الاعداد السياسي للحرب، بتصنيف من هم مع أميركا في حملتها العراقية ومن هم ضدها. هذا في حين تتولى الماكينة الاعلامية الأميركية الجبارة تهيئة الرأي العام الداخلي والخارجي لتقبل الحملة وجدانيا واخلاقيا، وحشد الانصار لها وتضييق الخناق على معارضيها. ولأن الأمر جد وما هو بالهزل، فقد انخرط رجال الاقتصاد بدورهم في عمليات حسابية تتعلق بفاتورة الحرب وتداعياتها القريبة والممتدة على الصعد الاقتصادية والمالية. يجري هذا كله بلا كلل أو ملل، بينما الأمين العام للأمم المتحدة (كوفي عنان) يعيش حالة من الصمت الرهيب والمريب. فهذا الرجل، الدبلوماسي الاول في عالمنا المعاصر، لم يصرح بعد أو يقول كلمته بشأن هذا السعار الأميركي العسكري السياسي الاعلامي الاقتصادي، الذي يكاد يسوق السلم والأمن الدوليين الى المجهول.. من حق عنان وصميم وظيفته الدولية ان يلفت نظر اعضاء المنظمة الدولية ولاسيما مجلس الأمن والجمعية العامة، الى اخطار الخطاب الأميركي بخصوص المسألة العراقية على السلم والأمن الدوليين، وما ينطوي عليه هذا الخطاب من انتهاكات وخروقات لميثاق المنظمة والقانون الدولي. ومن باب الانصاف، ان نطالب الامين العام ببيان العكس ايضا. أي بتعريفنا بما يكون قد خفي علينا من حكمة (في السلوك الأميركي المحموم) وبما يراه ببصيرته القانونية السياسية النفاذة من سعي أميركي لصيانة السلم والأمن.. فقد يكون الأمر على هذا النحو من الاستقامة دون ان ندري بادراكنا المحدود!. المهم ان يخرج عنان عن اعتكافه وان يجهر بموقفه ازاء هذا الذي يدور من حوله وحول منظمته. نفهم بالطبع ان الرجل محفوف في اداء وظيفته بمجموعة من القيود والمحددات التعجيزية، وقد لا تجد نداءاته اصداء تعدل مسار الأحداث. لكنه في التحليل الأخير يستحوذ بحكم مكانته على قوة أدبية وحقوقية سياسية كبيرة. وفي تقديرنا، ان العالم الآن بحاجة ماسة الى استخدام هذه القوة. لقد سبق سلفه (بطرس غالي) ان امتلك الشجاعة الأدبية لاتهام اسرائيل بارتكاب مذبحة قانا 1996 واذا كانت تلك الشجاعة قد كلفت غالي منصبه، فانها بالتأكيد اراحت ضميره الإنساني والقانوني. فعلها غالي وقال كلمته بعد ان كانت المذبحة قد ارتكبت وكان بوسعه أن (يلفلف) القضية باعتبار ان موقفه لن يعيد الحياة الى الضحايا. ولذلك، نحسب ان المطلوب من عنان أقل ثمنا وأبعد أثرا وجدوى. أقل ثمنا، لانه الآن يمارس الدورة الثانية لولايته أمانة الأمم المتحدة، وكان غالي في دورته الأولى، وربما أدى تواطؤه، فيما لو تواطأ، الى التجديد له لدورة ثانية. وأبعد أثراً، لأن ضحايا العدوان الأميركي المزمع سوف يتجاوزون بكثير جدا ضحايا قانا. وبشهادته قد يسهم عنان في لجم الجموح الأميركي عن ارتكاب هكذا جريمة (وهذا لا يقلل أبدا من حجم جريمة قانا لأن من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا). ومع هذا كله، سوف نفترض جدلا ان الأمين العام مازال في طور المتابعة والتأمل، وانه يؤثر تأجيل كلمته، كلمة القانون والشرعية الدولية، الى وقت اخر أو لحظة لم يحن اوانها بعد، بيد ان هناك مالا يستدعي الارجاء والانتظار بأي حال. هناك التهديدات الاسرائيلية الصريحة بمحو العراق من الخارطة السياسية والانسانية بواسطة قوة الدمار الشامل (النووية؟!) اذا ماتوفرت شروط بعينها. ولأن حكومة اسرائيل هي المرشحة الوحيدة لتحديد هذه الشروط، ولأن هذه الحكومة تتحرك بلا وازع من أي نوع، فإن نواياها ليست من قبيل الردع الأجوف. ان اسرائيل تملك القوة والرغبة لتطبيق هذه النوايا. ولا مبرر للتغاضي عن موقفها العدواني هذا تحت أي زعم، سواء من مقام عنان أو من كل القوى المشغولة بالسلم والأمن الدوليين. لنتذكر أنه فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل ينبغي اخذ الأقوال والتصريحات والنوايا المعلنة على محمل الجد والفعل الحقيقي. ذلك انه من غير المجدي أو المفيد اطلاقا انتظار الاستخدام العملي لهذه الاسلحة قبل المحاسبة والعقاب. والمدهش، ان ماتفعله الولايات المتحدة تجاه العراق، يتأتى من هذه الصناعة. بمعنى ان واشنطن تريد بزعمها ان تحبط رغبة نظام بغداد ـ وبقية نظم (محور الشر) ـ في امتلاك هذه الأسلحة، لعدم اطمئنانها الى السلم والأمن الدوليين بغير هذا الاحباط. هذا على رغم ان هؤلاء جميعا ينفون هذه الرغبة، ولم يعلن أحد منهم أنه يملك القدرة التدميرية للأسلحة غير التقليدية (النووية بالذات) من الأصل! كما ان واشنطن لم تطرح دليلا مقنعا واحدا على رغبة هؤلاء أو قدراتهم في هذا الاطار وبخاصة منذ عام 1991. لماذا لا تؤخذ التهديدات الاسرائيلية ضد العراق ـ وهي مشفوعة بالقدرة على التطبيق ـ مأخذ الجد؟ بل لماذا يترك لإسرائيل تحديد الظروف التي تبرر لها تنفيذ هذه التهديدات؟ ان مايسمى بالحرب الوقائية جزء من العقيدة العسكرية لهذه الدولة. وهذا سبب كاف للاهتمام بتصريحاتها ونواياها العراقية وعلينا ان ندفع عاجلا في اتجاه اعتراض حاسم على هذه النوايا، يضطلع الأمين العام به من منطلق الدبلوماسية الوقائية التي تدخل في اختصاصه.. وهو بوسعه تنبيه منظمته الدولية الى هذا الخطر الرابض بين يدي حكومة اسرائيل ولا يعرف أحد متى ينطلق، والاعتراض ذاته مطلوب من كل المعنيين بالسلم والأمن الدوليين.. لكن الحذر والاستعداد مطلوبان أولا وأخيرا من نظامنا العربي. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة