أجل.. انفصال جنوب السودان سوف يمثل خطراً على الأمن القومي العربي كما يتردد هذه الأيام على ألسنة معلقين عرب، لكن حتى دون انفصال فإن هذا الخطر قائم بالفعل رغم انه في حالة كمون وخفاء. ولنتوقف أولاً عند تصريح صحفي أدلى به قبل نحو أسبوعين أحد كبار المسئولين في حركة قرنق، فقد قال جور كوج مدير مكتب الحركة في القاهرة لصحيفة «العرب اليوم» الأردنية ان هناك في الوقت الراهن وجوداً اسرائيلياً في الجنوب السوداني داخل المناطق التي تسيطر عليها الحركة لـ «تقديم الخبرة وتنفيذ مشاريع تنموية». إن مثل هذا الاقرار، رغم خطورته، ينبغي ألا يكون مثار دهشة لأي أحد يتابع مشكلة الجنوب السوداني منذ منشئها قبل ما يقارب نصف قرن وعبوراً بمراحلها المختلفة خلال عقود النصف الثاني من القرن المنصرم وحتى اليوم. فالتاريخ القريب الماثل يروي لنا ان دخول اسرائيل على خط حركة التمرد الجنوبية بدأ منذ أربعين سنة، تحديداً في عام 1962، العام الذي دشنت فيه الحركة نشاطها من خارج الحدود السودانية تحت اسم «حزب سانو» وتنظيمه العسكري الذي أطلق عليه «انيانيا» (أ ي الحشرة السامة بإحدى اللغات القبلية الجنوبية). بوساطة مجلس الكنائس العالمي ـ المتبني الرئيسي لحركة التمرد الجنوبية منذ نشأتها ـ أقيمت علاقة عمل بين قادة «أنيانيا» والقنصلية الاسرائيلية في العاصمة الكينية نيروبي المقر الرئيسي للحركة آنذاك، بل وحتى اليوم. وبحكم هذه العلاقة تولى خبراء اسرائيليون أمر تدريب مقاتلي «أنيانيا» في معسكرات انشئت بتمويل اسرائيلي على الحدود اليوغندية مع السودان مع تدريب الكوادر الوسيطة والعليا على مستوى الضباط في اسرائيل نفسها. في عام 1972 توقفت الحرب في الجنوب تماماً بعد توقيع اتفاق سلام في أديس ابابا على عهد الرئيس جعفر نميري، ولكن مرحلة السلام نسفت بعد 11 عاماً عندما تجدد التمرد عام 1983 على يد جون قرنق. وكانت النتيجة تجديد العلاقة بين اسرائيل وحركة التمرد في شكلها الجديد بما في ذلك اعادة احياء المعسكرات تحت اشراف خبراء اسرائيليين وتدريب ضباط حركة قرنق في اسرائيل. الآن وبعد 19 عاماً من هذه العلاقة الجنوبية الاسرائيلية نشهد عملية تفاوضية مصيرية بين الحكومة السودانية وحركة قرنق تجري على أساس اتفاق مبدئي لقيام حكم ذاتي لاقليم جنوب السودان يفضي بعد فترة انتقالية إما الى بقاء الجنوب في وحدة مع الشمال أو انفصاله نهائياً ليكون دولة مستقلة ذات سيادة. فهل يعقل ألا نفترض ان اسرائيل ستكون القوة الخارجية الأعظم نفوذاً في كلا الحالين؟ لنعد الى تصريح مدير مكتب حركة قرنق في القاهرة، لقد أقر جور كوج بوجود اسرائيلي في جنوب السودان الآن، حتى قبل قيام الحكم الذاتي أو الانفصال. ورغم ان هذا المسئول الجنوبي حاول ان يخفف من حجم وأهمية هذا الوجود الاسرائيلي قائلاً انه ينحصر في فرق لتقديم الخبرة الفنية وتنفيذ مشاريع اقتصادية واجتماعية، إلا انه اجمالاً يقر بحقيقة معروفة لمدى عشرات السنين. وإذا كان هذا هو الحال قبل قيام نظام الحكم الذاتي.. فكيف يكون بعده؟ إذا انتهت العملية التفاوضية الجارية حالياً الى اتفاق تسمح بنوده لنظام الحكم الذاتي في الجنوب باقامة اتصالات خارجية مع الدول ـ كما يطالب وفد قرنق ـ فيجب ألا نندهش إذا سمعنا لاحقاً عن تأسيس قنصلية اسرائيلية في جوبا، عاصمة الاقليم الجنوبي ليتخذ الوجود الاسرائيلي في الجنوب ـ حتى في شكله العسكري والاستخباراتي ـ صفة مشروعة. ولنعد الى السؤال المطروح: هل الأفضل من منظور الأمن القومي العربي أن يبقى الجنوب في وحدة مع الشمال على أساس نظام حكم ذاتي فضفاض للجنوب أم ينفصل تماماً ليتحول الى دولة مستقلة؟ في تقديري الشخصي ان الوجود الاسرائيلي قائم بخطورته في الحالين، لكنه أخطر في حالة الحكم الذاتي.. لماذا؟ لأن النظام الفيدرالي المقترح والذي يتضمن نظام الحكم الذاتي للجنوب غالباً ما سيفرض قيوداً على الحكومة القومية الفيدرالية تؤدي الى اضعاف سيطرتها على الحكومة الجنوبية مما سيؤدي حتماً الى تعاظم النفوذ الاسرائيلي وانتقاله الى الشمال دون ان تستطيع الحكومة القومية فعل الكثير لمواجهته. أما في حالة قيام دولة مستقلة في الجنوب تستضيف وجوداً اسرائيلياً فإن الدولة العربية الاسلامية المستقلة في الشمال المتحررة من عبء الجنوب سوف يكون متاحاً لها أن تتخذ سياسة رسمية وصريحة قوامها معاداة الوجود الاسرائيلي انطلاقا من اعتبارات الأمن القومي العربي. فالأفضل أن يكون الخطر الاسرائيلي في هذا السياق صريحاً حتى يستدعي اجراء مضاداً صريحاً عوضاً عن أن يكون موارباً.