أن تقضي في العاصمة الاردنية عمان بضعة ايام، فأنت في الحقيقة تستمتع حين تشاهد تيارات الشرق الاوسط المختلفة، السياسية والاجتماعية، وهي تهب عليك من كل جانب. فالعاصمة الاردنية ليست بعيدة، لا بشرياً ولا جغرافياً، عما يحدث في الارض المحتلة من غزة الى الضفة الغربية، وليست بعيدة عما يحدث في العراق، كما انها غير بعيدة عن اسرائيل التي تتفاعل فيها الاحداث يومياً.عندما يسقط شهيد او تقتل امرأة او يهدم بيت في فلسطين المحتلة على رؤوس ساكنيه فيدفنون احياء، يفتح بيت عزاء في مكان ما في الاردن ويتوافد المعزون حيث النسيج واحد والمعاناة مشتركة وعندما تقوم الآلة العسكرية الاسرائيلية بعزل مدن الضفة الغربية يتوقف التدفق التجاري والخدمي والانساني بين الضفتين، وعندما يشعر الفلسطينيون بالاختناق في ظل الاحتلال يلجأون الى عمان وعندما تعلن عملية استشهادية فإن الاعلام الغربي يشير الى انها وقعت غرب الاردن، ويمتنع السياح وتفقد الاردن مورداً آخر. ضريبة حروب الجيران وبالمقابل فإن المنفذ شبه الوحيد للعراقيين الذين يحالون الفرار بجلودهم هو الاردن، وخصوصاً عمان التي يعيش فيها عدد وافر منهم فيتخذون منها اما مقراً لمن لا يستطيع ان يذهب بعيداً او ممراً للبعض. تلك هي الاردن وهذه هي عمان التي تدفع من راحتها الكثير بسبب الاوضاع المحيطة بها. على رصيف عبدون، الضاحية الصاخبة ليلاً والتي يؤمها سواح الاردن العرب، تشاهد بضع افراد، نساء او رجالاً، يمرون على المقاهي وينتقلون بين الارصفة لبيع اشياء صغيرة من لعب او غيرها وتنتقل بين هذه الارصفة فتاة يانعة، لبست ثوباً اسوداً يغطي كل جسمها ووضعت رداء ابيضاً على شعرها، تبيع بضع مسابح معلقة على يدها تنظر بخوف ووجل من حولها، وتتبين من لهجتها انها من العراق، وعند سؤالها قالت انها من البصرة، التي كانت عروس شط العرب، اضطرت كما اضطر آلاف مثلها لمغادرة المدينة والزحف نحو عمان من اجل لقمة العيش. بالطبع، لا يسمح لها القانون ان تتعاطى اي عمل بما فيه بيع بعض الحاجيات الصغيرة على الارصفة «فلو قبض علي الآن ـ تقول ـ لأخرجت من البلد»، ولكن السلطات الاردنية تغض الطرف ربما عن مثل هذه الممارسات معرفة لما يكابده امثالها من ضنك، وتقول انها متعلمة وانها تجري في هذه الحياة من اجل لقمة عيش شريفة لاخوانها الصغار وامها الهرمة. وقصة هذه الفتاة واحدة من ضمن آلاف القصص التي تشاهدها على ارصفة عمان وفي مناطقها المكتظة. لقد دفعت عمان قبل ذلك الوقت ضريبة خلال الحرب الاهلية اللبنانية ودفعت وتدفع ضريبة تدفق اللاجئين الفلسطينيين اليها بين فترة واخرى جراء تعسف وظلم المحتل. وفي الدوائر الثقافية في عمان يحتدم الجدل حول «ضربة قادمة للعراق». بعضهم يحلل الاسباب ويجازف بتحديد الوقت، ولكن الجميع يسأل: لو حدث ذلك، ما هو الثمن الذي يتوجب ان تدفعه الاردن، وهل هي قادرة على دفعه؟ من ضمن السيناريوهات المطروحة مساهمة اسرائيل في الحرب القادمة فيما لو هوجمت، واحتمال ان تدفع بقواها العسكرية البرية تجاه العراق من خلال الاراضي الاردنية، او تنتهك الاجواء الاردنية باتجاه الاجواء العراقية، فمن يمنعها من ذلك وماذا يمنعها؟ ثم ـ وذلك هو اسوأ سيناريو ـ ماذا لو قام رئيس الوزراء الاسرائيلي شارون بطرد مئات الآلاف من الفلسطينيين باتجاه الاردن مستغلاً اجواء حرب اقليمية جديدة؟ ولعل بعض هذه المخاوف هو ما جعل الحكومة الاردنية تختار تأجيل الانتخابات العامة التي كان من المفترض ان تجري في نهاية هذا الصيف، الا ان هذا التأجيل الى الربيع القادم تزامن ايضاً مع اعلان عن تغيير في آلية الانتخابات من اجل توسيع المشاركة وزيادة عدد النواب في المرحلة المقبلة، مسايرة للأوضاع العامة في المنطقة من اجل تعميق المشاركة الشعبية. مأساة شعب وفي الوقت الذي تنتشر فيه ظاهرة مثل ظاهرة المسابح ـ او السبحات ـ العراقية في شوارع عمان، تصافح عينيك، في اليوم التالي، آراء بعض الكتاب في الزوايا الصحافية في عمان وهي صحافة حرة فيها كل ما يخطر على بالك من آراء، تقرأ للبعض الاشادة بالنظام في العراق والمديح لانجازاته الكبرى، عبر مدخل معتاد تحت شعار الحفاظ على الشعب العراقي. ثم يمد اليك الروائي العراقي الاستاذ عبدالستار ناصر يده ببعض انتاجه، وبقراءة لروايته (أبو الريش) تجد انها سجل لحجم الفاجعة الانسانية التي يمر بها العراق، لقد قرأت الرواية التي تقع في اكثر من مئتين وخمسين صفحة في ليلة واحدة، لأنها بالفعل رواية تأخذك من صفحة الى اخرى دون ان تلاحظ الوقت وايضاً دون ان تقول لنفسك اريد ان اعود اليها غداً، ففصولها متتابعة وكأنك تشاهد فيلماً مشوقاً تتلهف لمعرفة نهايته. يقول بطل الرواية «لست وحدي الذي تعلق به، كانت خدعة وقتها اكبر من افتراضنا، وابعد من حدود وعينا وثقافتنا، كنا نظنه المنقذ الذي جاء على صهوة جواد يحمل مفتاح الفردوس، كثيراً ما صفقنا له وكتبنا عن امجاد نحن صنعناها بأصابعنا وقصائدنا، حتى ما أصبح الرئيس الشمولي ادركنا حقيقة اللعبة، واعترف اليوم أنه تمكن منا وصار عليه ان يتلذذ ببلاهتنا..». انها ليست رواية شخص بقدر ما هي رواية شعب وآمال، كما انها ليست الوحيدة، فالانتاج الثقافي العراقي في المنفى انتاج غزير وانساني يرسم بدقة معاناة شعب افتقد الحرية فافتقد كل شيء تقريباً. يجمع محدوثك في صالونات عمان التي يكثر فيها الجدل والمناقشة، على ان هناك شيئاً ما سوف يحدث في بغداد، وأن الولايات المتحدة جادة في ما تطلقه من تهديدات، ولكن الاختلاف يدور بعد ذلك على ما ستكون عليه العراق في المستقبل، وعلاقاته بجيرانه. تلك هي بعض الاسئلة المطروحة في المنتديات الاردنية في عمان وهي اسئلة لها علاقة بالواقع كما لها اتصال بالمعطيات على الارض العربية التي تشكل الاردن جزءاً لا يتجزأ منها. امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت