اسمحوا ان استعيد معكم فقرة قديمة جاءت على لسان احد مقاولي البناء من الذين يتمتعون بنظرة واقعية، وكنت قد سبق وان تعرضت حينما تناولت تكاليف البناء الباهظة التي يضطر على اثرها المواطن للجوء للاقتراض من البنوك لاستكمال القيمة النهائية لمنزل احلامه على الرغم من ان هذا المواطن قد حصل على قرض ميسر وبدون فوائد او منحة خالصة له لا تسترد. حيث قال يومها مقاولنا الواقعي ان المالك هو المتسبب في ارتفاع تكاليف بناء بيته، وان الفيللا العادية المجردة من الترف الزائد تغني صاحبها من الاقتراض الاضافي، وقال بالحرف الواحد «ربعنا» لا يمتلكون نظرة دقيقة الى مستوى مدخولهم، ولا يستوعبون ان يتحرك الفرد في احلامه وطموحاته على قدر امكاناته، وان الغالبية منا بامكانها ان تبني بيوتا بمبلغ المنحة، او مبلغ قرض الاسكان الميسر.. ويومها واجهنا مع هذا المقاول بعد نشر المقال، مجموعة من الاستفسارات والتحليلات اتهم فيها صاحبنا بأنه يطلب من الذين لا يمتلكون مبالغ اضافية فوق قروض الاسكان ان يسكنوا في بيوت من سعف!. لكن استعيد معكم مقولة مقاولنا الواقعي لانها بالفعل ليست خاطئة، فهناك نفر كبير منا، ان لم نكن كلنا نشترك في هذه الصفة التي غلفنا بها ايقاع الحياة الحديثة والزمن المادي، والنظر بغيرة الى الاخرين الذين يمتلكون امكانات اكثر منا.. وعلى رأي صاحبنا كما كان يفسر ان السبب الذي يجعل تكاليف بناء مسكن عالية جدا تدعو الى الاقتراض الاضافي، هي غيرة الزوجات، ففلانة تريد بيتها افضل من بيت علانة، اكبر ومزين بالمرمر.. وهذه الغيرة هي التي جعلت الناس الذين يملكون والذين لا يملكون راغبين في بناء قصور لا بيوت او فيلل بحجم مداخيلهم المالية. فعلا مقولة صاحبنا المقاول صحيحة لان هناك من يقع تحت تأثير هذا النوع من الغيرة، وبالتالي يغيب المنطق حينما يجلس النفر منا بقرب استشاري البناء، فتبدأ المسائل من بداياتها هكذا.. ركب هذا، واستبدل ذاك، حتى يكبر المبلغ الاجمالي فتنقلب الحسبة من بيت للاستقرار الى بيت يجر خلفه سلسلة كبيرة من الديون والالتزامات المالية. لكن ليس هذا المراد.. وليست مسألة اعادة نظرية صاحبنا المقاول الواقعي الان الا للتدليل على ان اغلبنا صار يرمي بنفسه وبدون وعي الى هموم القروض البنكية. بالامس فاجأني صديق لديه تقرير صغير عن وضع حسابه البنكي واصابتني الدهشة ان يصل قرضه الى 270 الف درهم ومع هذا يسكن في شقة بالايجار ويعول عائلة ويمتلك سيارة متهالكة قد تنتهي صلاحيتها بعد اشهر قليلة، والاغرب انني حدثت صديقاً اخر عن دين صاحبنا وكيف يستهلك القسط الشهري راتبه وينغص حياته وان عليه ان ينتظر ست سنوات حتى يخلص نفسه من هذه المصيبة، فقال لي هذا الاخر، لا تستغرب انا راتبي لا يتجاوز سبعة الاف درهم ولدي قرض بنكي وبعض الالتزامات من تسهيلات بنكية حصلت عليها وصل حتى الان الى ما يقرب الاربعمئة الف درهم ويبدو انني سأسددها بعد عشر سنوات ان سارت الاحوال على ما هي عليه. بالتأكيد هذين نموذجين فقط من نماذج لم تقدر ولم تحسب لماذا هي تراكم الديون عليها.. لكن مقاولنا الواقعي يقول.. انه الفيروس الغريب الذي اصابنا وجعلنا نفكر بعكس المنطق السليم!.