قال سعيد بن سلم: اهدر المهدي دم رجل من أهل الكوفة كان يسعى في فساد دولته، وجعل لمن دله عليه او جاءه به مئة ألف درهم. فأقام الرجل حينا متواريا، ثم انه ظهر بمدينة السلام، فكان ظاهرا كغائب، خائفا مترقبا. فبينما هو يمشي في بعض نواحيها اذ بصر به رجل من اهل الكوفة فعرفه، فأهوى الى مجامع ثوبه، وقال: هذا بغية امير المؤمنين. فأمكن الرجل من قياده، ونظر الى الموت أمامه. فبينما هو على الحالة اذ سمع وقع الحوافر من وراء ظهره، فالتفت فإذا معن بن زائدة، فقال: يا أبا الوليد، اجرني أجارك الله. فوقف وقال للرجل الذي تعلق به: ما شأنك؟ قال: بغية امير المؤمنين، الذي اهدر دمه وأعطى لمن دل عليه مئة ألف. فقال: يا غلام، انزل عن دابتك، واحمل أخانا. فصاح الرجل يا معشر الناس يحال بيني وبين من طلبه أمير المؤمنين! قال له معن: اذهب فأخبره انه عندي. فانطلق الى باب امير المؤمنين فأخبر الحاجب، فدخل الى المهدي فأخبره، فأمر بحبس الرجل، ووجه الى معن من يحضر به. فأتته رسل امير المؤمنين وقد لبس ثيابه، وقربت اليه دابته، فدعا أهل بيته ومواليه فقال: لا يخلصن الى هذا الرجل وفيكم عين تطرف. ثم ركب ودخل حتى سلم على المهدي، فلم يرد عليه. فقال: يا معن، أتجير علي؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ونعم أيضا! واشتد غضبه. فقال معن: يا أمير المؤمنين، قتلت في طاعتكم باليمن في يوم واحد خمسة عشر ألفا، ولي أيام كثيرة قد تقدم فيها بلائي، وحسن غنائي، فما رأيتموني أهلا ان تهبوا لي رجلا واحدا استجار بي؟ فأطرق المهدي طويلا، ثم رفع رأسه وقد سري عنه، فقال: قد أجرنا من اجرت. قال معن: فإن رأى امير المؤمنين ان يصله فيكون قد احياه وأغناه فعل. قال: قد أمرنا له بخمسين ألفا. قال: يا أمير المؤمنين ان صلات الخلفاء تكون على قدر جنايات الرعية، وإن ذنب الرجل عظيم، فأجزل له الصلة. قال: قد امرنا له بمئة ألف. قال: فتعجلها يا أمير المؤمنين، فإن خير البر عاجله. فأمر بتعجيلها. فدعا لأمير المؤمنين بأفضل الدعاء، ثم انصرف ولحقه المال. فدعا الرجل، فقال له: خذ صلتك، والحق بأهلك، وإياك ومخالفة خلفاء الله تعالى، (فيحبط عملك ويسفك دمك).