كان الكاتب الفنان يحيى حقي مغرما بالرسائل التي يتبادلها بسطاء الناس في الأرياف وفي الاحياء الشعبية بالحواضر الكبيرة والصغيرة.. يكتبونها بأساليب تجمع بين الصدق والسذاجة، وحين تعوزهم قدرة التعبير.. لا يتورعون عن اللجوء للاسف الى كميات من سقط المتاع اللغوي كما قد تسميه.. اشكال من الكليشيهات اللفظية ومن المأثورات اللغوية بل هي اقرب الى المرددات المنقولة والمحفوظة والشائعة الاستخدام حتى يمكن القول انها اصبحت بالية مثل الدرهم الممسوح الذي انمحت معالمه من الغلو المفرط في هذا الاستخدام. يحكي الاستاذ يحيى حقي كيف ظل يجوب شوارع القاهرة عدة ساعات بحثا عن كتاب بعينه كان أديبنا الكبير في أشد الحاجة اليه.. وما كان الكتاب المطلوب سفرا في الفلسفة ولا معجما من مراجع الأدب ولا بحثا عميقا في هذا اللون أو ذاك من فنون الابداع.. وقد كان يحيى يجيد الانجليزية والفرنسية وربما كان ملما ببعض الايطالية والتركية. لقد كان يحيى حقي يبحث عن كتاب يحمل عنوانا يقول: (رسائل الغرام أو مكاتبات المحبين). كان كتابا شعبيا يباع بقرش أو قرشين على أرصفة الشوارع شبه المجهولة.. مطبوعا على ورق رخيص ويقع بين دفتي تجليد أزهد وأرخص وأشد تعاسة.. وربما طبعه اصحابه على مطبعة حجر في زقاق معتم تفوح منه رطوبة مباني القاهرة العتيقة.. مدينة خلفاء الفاطميين وملوك الايوبيين ورؤوس الاخشيد ودهاقنة المماليك.. وربما ذيلوا الصفحات المغبرة بما وصفه الطابعون أو الناشرون بأنه استدراك على صفحة أو صفحتين في محاولة شبه يائسة لتصحيح كمية الاغلاط التي وردت في متن الكتاب ولم ينسوا طبعا - على عادة اهل الجيل الماضي ـ ان يضيفوا العبارة الاحترازية، التي تقول: هذا وبالنص اخطاء أو هنات اخرى لا تغيب عن فطنة القارئ اللبيب. يشتري العم يحيى حقي هذا الكتاب العجيب تلمع عيناه اللماحتان - من خلف النظارة الرشيقة بجزل هو اقرب الى فرح طفولي مفعم بالشقاوة والسعادة تمتد أنامله تقلب الصفحات التي سوف يشرع في مطالعتها أو يجلس محشورا كما كان يقول في تأملاته - بقوامه البسيط وقامته القصيرة بين ركاب مترو مصر الجديدة. لماذا بذل العم يحيى هذا الجهد كله وهو السفير السابق والأديب الكبير ورئيس تحرير (المجلة) وكانت في القمة من مطبوعات الفكر والأدب في عصر عبدالناصر ناهيك عن منصبه الرفيع الذي خلع عليه منصب (مدير مصلحة.. الفنون) في مرحلة كان فيها منصب مدير المصلحة أقرب الى نائب الوزير وكان وزيره في تلك الحقبة - منتصف الخمسينيات - هو الاستاذ فتحي رضوان - الأديب والسياسي صاحب التاريخ الوطني أول وزير ثقافة في مصر وربما على مستوى الوطن العربي كله. والحق ان يحيى حقي كان يبحث عن روح الشعب الحقيقي وهو يطالع كتاب رسائل المحبين.. الكتاب كان يحوي مشاريع ومقترحات يطرحها كاتبوها امام عامة الناس بوصفها نماذج يتم احتذاؤها حين يجلس احدهم ليكتب - يحاول ان يكتب - رسالة الى شخص معين وفي مناسبة بعينها معبرا في ذلك عن مكنون نفسه وذوب عواطفه وعما قد يجيش بين جوانجه من مشاعر وانفعالات. هؤلاء قوم لا يعرفون ولا عرفوا من قبل حكاية الناس أو البريد الالكتروني.. ولا طبعا الهاتف المحمول أو النقال.. قصاراهم ان يكون الواحد منهم ملما - ولو مجرد المام بالقراءة والكتابة.. يقرأ في صعوبة ويكتب بكل جهد جهيد، يحاول ان يروض الحروف ويرص الجمل ويكافح لكي ينمق بعض العبارات التي يود لو تنال رضا الطرف المتلقي.. صديقا كان أو خالا أو عما ناهيك ان يكون ذلك الطرف المقصود شخصية تنتمي الى الجنس.. الاخر.. اللطيف؟! مع ذلك فالأمر لا يخلو من استخدام الكليشيهات أو التعابير المكرورة التي يوردها الكتاب.. قد يعافها المتعلمون أو المثقفون ولكنها تظل موضع اعجاب ملح الأرض من غمار الخلق وبسطاء الناس.. و.. خذ عندك. سلام أرق من النسيم العليل وأعذب من الماء السلسبيل.. (أو).. أذكرني (أذكريني) فالذكرى ناقوس يدق في عالم النسيان.. (أو) حضرة المحترمة الآنسة المهذبة المصونة والدرة المكنونة (أو) حضرة الوالد المحترم الكبير وجناب العالم العلامة والحبر الفهامة.. الخ. بعدها توضع أوراق الرسالة في مظروفها وتلصق طابع البريد على واجهتها ولا يخلو الأمر - من باب تمام الاطمئنان وربما من باب التقرب الى الحكومة والزلفى الى موظفيها ـ من ان تكتب على المظروف العبارة المأثورة: شكرا لساعي البريد ـ ذلك لأن ساعي البريد وهو الموظف البسيط المسئول عن ان ينفذ عبارة المظروف القائلة: يصل ويسلم ليد فلان الفلاني، وكان يلاقي عنتا في هذا التوصيل والتسليم.. في بلد لم يفرغ بعد من تدقيق العناوين وترقيم وتوصيف الشوارع والحواري وسائر المواقع.. من هنا لم تكن العناوين رقمية كما في نيويورك مثلا بقدر ماكانت وصفية، بالبركة كما نقول.. ومن نوعية بناية الست أم توكل الخياطة امام مخبز الحاج حميدة من ناحية سوق الخميس.. الخ. ولما كانت التقاليد تحول دون تراسل الجنسين والا سالت دماء الشرف الرفيع بين العائلات. فقد كان البعض - وخاصة في المدن الصغيرة ـ يلجأ الى حضن الحكومة الرؤوم فيكتب على المظروف عبارة: يحفظ في شباك البريد. في كل حال كان الساعي - البوسطجي كما كانوا يسمونه يؤدي دورا لا يستهان به في حياة الناس بالمدينة والريف.. ولقد بلغ الشغف بالاستاذ يحيى حقي الحد الذي جعله يكتب قصته الطويلة الشهيرة - البوسطجي- التي تحولت الى فيلم شهير بدوره من (اخراج حسين كمال) وبطولة شكري سرحان الذي ارسلوه الى بقعة نائية مجهولة من مصر العليا.. حيث كان يفترسه وحش الملل ونمائل الفضول فكان ان شرع في فتح الرسائل الموكل بتوزيعها والتلصص على محتوياتها.. ومن ساعتها انفتح امامه عالم من الاسرار والمكنونات التي نسجت فيما بينها في القصة وفي الفيلم خيوط مأساة انسانية دمرت حياة أفراد من البشر. ظلت الرسائل - المكاتيب كما يقول أهل المشرق ـ الجوابات كما يقول المصريون - ظلت أدوات للاتصال الإنساني المفعم بالمشاعر في أدق خلجاتها.. وظل سعاة البريد.. النجاب (بضم النون وتشديد الجيم) يقاسون المشقة من اجل توصيلها لاصحابها فإن زادت معدلات الارسال اشتكى السعاة وهو ما عبرت عنه اغنية شعبية كانت تتردد عبر مصر كلها في الاربعينيات وقد انشدتها المطربة رجاء عبده ولحنها عبدالوهاب في عام 1944 ويقول مذهبها: (البوسطجية اشتكوا من كتر مراسيلي). وليس لك ان تستهين بهذه المراسيل ولا ان تلقى بالا لشكوى البوسطجية: في أداب الغرب يعاملون الرسائل باحترام شديد ويعدونها وثائق تاريخية تشهد اما على ترجمة سيرة اصحابها بين الراسل والمرسل اليه أو تشهد على ايقاع وأعراف العصر الذي تم في سياقه صياغتها وارسالها. ومنذ سنوات قليلة اقتنينا في مكتبتنا الخاصة كتابا اصدرته مؤسسة اكسفورد المرموقة في مجلد فخيم بعنوان (كتاب اكسفورد للرسائل) من اعداد وتحرير البروفيسور كيرمود استاذ الأدب الانجليزي في جامعة كمبردج. يحوي كتاب اكسفورد 328 رسالة تبدأ أولاها بتاريخ 26/3/1535 وتنتهي الاخيرة بتاريخ 21/11/1985. ومجموعة اكسفورد مفيدة، مبهرة في بعض الأحيان.. ومع ذلك فلا يزال الوجدان يحن الى كتاب رسائل المحبين بكل بساطته وسذاجته وقد شغف به أديب كبير وفنان رقيق مطبوع هو الاستاذ يحيى حقي عليه رحمة الله.