«امبراطورية واشنطن» ، على نسق «امبراطورية روما» في التاريخ وما عرفت به هذه الامبراطورية من عنجهية وعدوانية، هي (وللعجب !) ، احدى سمات القرن الحادي والعشرين الحالي برغم ما يتمتع به هذا القرن من حضارة وديمقراطية وعلوم وتكنولوجيا. وهي، «امبراطورية واشنطن» ، تحاول بالأسلوب القديم ذاته، أسلوب حد السيف، أن تفرض سياساتها وهيمنتها على الكرة الأرضية شرقا وغربا بعد ان أدت نهايات القرن الماضي وبدايات القرن الحادي والعشرين الى جعل العالم مجرد قرية كونية صغيرة. هل هناك من معنى لما يشهده العالم في هذه المرحلة غير هذا المعنى؟!. في أفغانستان على سبيل المثال، عملت «امبراطورية واشنطن» على الأرض، وقال رئيسها جورج دبليو بوش علنا وبكل صراحة، على ربط هذه الدولة راهنا ومستقبلا باستمرار تواجد القوات الأميركية في اراضيها، أي باستمرار احتلالها بالقوة المسلحة الخارجية. أما الشعار فهو حماية «نظام الحكم» المؤقت الذي أقامته الامبراطورية اياها في كابول على طريق تحويله في يوم الى «ديمقراطية» أميركية الطابع والتوجه والهوية... وطبعا بعد ضرب «الارهاب» في المنطقة وفي العالم واجتثاثه من جذوره. وحولها، من اوزبكستان الى جورجيا الى باكستان وصولا حتى الى الفلبين، تنتشر القوات المسلحة التابعة لـ «امبراطورية واشنطن» هذه - وبعضها يرفع أعلام بريطانيا وألمانيا وفرنسا وغيرها - بذريعة العمل على تحقيق الهدف ذاته. الديمقراطية الأميركية الطابع والهوية لكن على بعد أميال من أفغانستان، وبالذات في باكستان على حدودها الشرقية والجنوبية، لا يجد رئيس. الامبراطورية. حرجا في القول بوضوح ان ما يهمه في الواقع هو التحالف بين واشنطن واسلام اباد لمحاربة «الارهاب» وليس وضع الديمقراطية أو اللاديمقراطية في النظام الباكستاني. في موضوع العراق المطروح بقوة الآن على امتداد العالم، لا تختلف مقولة «الامبراطورية» الأميركية عن النظام المرتجى في هذه الدولة من قبل بوش وادارته عن الواقع المفروض على الأرض في منطقة آسيا الوسطى، وربما في العالم كله: «ديمقراطية» بالانتقاء، تصبح قرارا يعتمر قبعة عسكرية وتنقله دبابة او طائرة مقاتلة عندما يريد الامبراطور ذلك، ويتحول الى مجرد أمل معلق في الهواء عندما لا يريد الامبراطور. ونظرة الى النقاش الأميركي الداخلي حول «الديمقراطية» المقررة من الخارج للعراق تكشف أن اجتياح هذا البلد يتفاوت في الأسلوب فقط بين ان يتم بقوى أميركية كما يرى بوش ونائبه ديك تشيني ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد، أو أن يتم بقوى مسلحة من العالم يغطيها تحالف دولي وقرار من مجلس الأمن كما يرى وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر، أو أن يتم بقوى أميركية - عراقية معارضة - كردية يلاقيها بعد الدخول تحرك انقلابي من الجيش العراقي كما ترى وكالة المخابرات المركزية الأميركية، أو بقوى ضغط سياسية وعسكرية واقتصادية يتفق عليها في كل حال مع الحلفاء في أوروبا أساسا الخ.. لكن النقاش كله لا يخرج عن مقولة ان هذا هو الطريق شبه الوحيد لأسقاط النظام القائم في بغداد واقامة «عراق ديمقراطي» على انقاضه ينال رضا وقبول «امبراطورية واشنطن». واذا قيل ان العالمين العربي والاسلامي يقفان معا ضد اجتياح العراق أيا كان أسلوب هذا الاجتياح، وان الدول المجاورة، بما فيها الحليفة للولايات المتحدة والعضو في حلف شمالي الأطلسي مثل تركيا، ترفض مثل هذا الأسلوب في التعامل مع دولة حرة مستقلة، كان الرد من قبل «امبراطورية واشنطن» انشاء ما يمكن وصفه بأنه «معهد» لتأهيل شعوب هذه البلدان وتعليم نخبها السياسية والأكاديمية والفكرية والصحافية مبادئ الديمقراطية - صناعة أميركا، فضلا عن أساليبها وفنونها. وما قالت صحف الولايات المتحدة أخيرا أنه «برنامج ضخم للاصلاحات الديمقراطية» في الشرق الأوسط، يجري تحضيره من قبل وزير الخارجية كولن باول ليتم عبره تأهيل المجتمعات العربية والاسلامية وأنظمة الحكم فيها للتأقلم مع المرحلة المقبلة، ليس سوى المنهاج الدراسي المعد لـ «طلاب» هذا المعهد. وللمفارقة، فاحدى هذه الصحف «النيويورك تايمز» هنا، تضع كلا من السعودية ومصر وسوريا والجزائر وايران في خانة الدول التي تحتاج شعوبها ونخبها السياسية وأنظمة الحكم القائمة فيها الى فصول دراسية مكثفة تحت عنوان «التأهيل الديمقراطي» بينما ترى في دول أخرى مثل الأردن واليمن وتونس والمغرب ولبنان. تقدما في الأهلية الديمقراطية. وان بدرجات متفاوتة يحددها الأستاذ «الامبراطور». أما ما ورد في التقرير الذي وضعه لوران مورافيك، من مؤسسة راند للدراسات، وقدمه الى مكتب الدفاع السياسي في البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) في العاشر من يوليو الماضي، فيكشف المخبوء في صورة لا تترك مجالا للشك. يقول التقرير «ان التوترات بين العالم العربي والعالم المعاصر بلغت ذروتها، وأن المشكلات التي هي من صنع محلي في العالم العربي تهيمن على قدراته على التأقلم، وأن الأزمة نتيجة لذلك تصدر حاليا الى بقية العالم». لكنه في تحليل هذه المقولات، يضيف ان العنف في العالم العربي ليس استكمالا للسياسات بوسائل مختلفة بل ان العنف هو السياسة كما أن السياسة هي العنف... وان ثقافة العنف هذه هي العامل الأساسي في صناعة الارهاب المستمرة والمتصاعدة في الأعوام الثلاثين الماضية.. لا يختلف الأمر في حالة «الديمقراطية» الأميركية المنتقاة للبلدان العربية والاسلامية عن حالات أخرى في بلدان العالم الأخرى بما فيها البلدان التي تقيم علاقات تحالف وصدافة وثيقة مع الولايات المتحدة. المحكمة الجنائية الدولية التي قررها العالم الغربي أساسا في منتدى روما قبل سنوات، ثم اعتمدها رسميا كل من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، هي مثال على هذه الانتقائية. وبروتوكول كيوتو للحد من ارتفاع حرارة الأرض وموقف واشنطن الرافض له هو مثال آخر. الموقف من البوسنة، ثم من كوسوفو، ثم أخيرا وحتى الآن من الشيشان ارضاء لروسيا، مثال على التفرد والانتقائية. وحتى الحرب المدمرة والمستمرة للآن على افغانستان، والتي لم يترك «الامبراطور» للدول الغربية التي اشتركت فيها سوى مهمة «غسل الصحون»، وفق تعبير أحد المسئولين الفرنسيين، لا تختلف بدورها عما سبق. والأمثلة على ذلك أكثر من أن تعد وتحصى: العولمة ومنظمة التجارة العالمية جانب من الصورة، بينما دعم وحماية منتجات المزارعين الأميركيين جانب آخر. اتفاقات التجارة الحرة جانب آخر، بينما الضرائب الأميركية على الحديد والصلب جانب ثالث. قوانين حماية الملكية الفكرية جانب، بينما خرقها علنا وبوضوح كما فعل «الامبراطور» الأميركي مع الشركة الألمانية التي تنتج وحدها أمصالا ضد جرثومة «الجمرة الخبيثة» (الانتراكس) جانب آخر. والقائمة تطول وتطول. لم يتم استخدام ترسانة السلاح الأميركية الضخمة من اجل ذلك (بعد !!) الا ان احدا لا يملك معلومات عما اذا كان التهديد بهذا السلاح قد استخدم فعلا. ولا يملك أحد بدوره معلومات عما اذا كان هذا السلاح لن يستخدم في المستقبل. ما يبقى ان هذه هي بعض سمات «امبراطورية واشنطن»، التي يقودها رئيسها جورج دبليو بوش في القرن الحادي والعشرين، مع أنها على نسق «امبراطورية روما» في التاريخ بكل ما حفلت به تلك الامبراطورية من أوصاف العنجهية والعجرفة والعدوانية بحد السيف. ... وهل العالم، مع ذلك كله، أمام مقولة «والخافي أعظم»؟! ـ كاتب لبناني