كثيرة هي الأقاويل والتصريحات التي تطلق من هذا الحزب وتلك الحركة، حول قضية الحوار الفلسطيني الشامل، التي طرحتها السلطة الفلسطينية مؤخراً في غزة بهدف الوصول إلى صيغة وطنية عامة، باعتبارها قاعدة ارتكاز سياسية وناظمة للحركة السياسية العامة بداية من الشراكة الفلسطينية الداخلية وصناعة القرار، وانتهاء بالتصورات المستقبلية لطبيعة الحلول المطروحة وآفاقها على جبهة التفاوض الفلسطينية ـ الإسرائيلية، بما في ذلك الشكل النهائي لطبيعة الحل المتضمن الدولة الفلسطينية وجغرافيتها والملفات العالقة، القدس، اللاجئين وغيرهما من الملفات الأخرى التي لم تتصدر بعد الأولويات الفلسطينية بسبب سخونة بعضها أكثر من بعضها الآخر. هذه القضايا حشدت جملة من التصورات والبرامج الفلسطينية على المستوى الحزبي والتقني، فقد حمل المتحاورون كل برنامجه السياسي إلى طاولة الحوار الساخنة في غزة، سعياً لتثبيت أعلى المطالب السياسية كل حسب قوته وأدائه في إطار الصراع الدائر على الأرض من جانب، وقوته الشعبية والجماهيرية من جانب آخر الأمر الذي خلق ثلاث وجهات نظر بين مجموع الفصائل والأحزاب والحركات، فقد وجدت السلطة الفلسطينية وحزبها وتحالفها السياسي، بأن الحلول المرحلية الراهنة كفيلة برفع الظلم ولو جزئياً عن كاهل الشعب الفلسطيني الرازح تحت الحصار، كما أن ذلك مقدمة لخلق مناخات تفاوضية إيجابية من شأنها أن تعيد طرفي الصراع إلى طاولة التفاوض على أساس القرارات الدولية، وبما يتضمن اعترافا علنيا من قبل كل القوى بالاعتراف بشرعية الوجود الإسرائيلي، أي أن يتم التوافق على الاعتراف المتبادل والمتوازن بحق كليهما بالعيش بأمان على أساس من حسن الجوار؛ وأن القضايا العالقة مثل القدس واللاجئين تبقى محصورة في إطار التفاوض، باعتبارها ملفات عالقة تحتاج إلى مدة أطول في عملية التفاوض، لكن نجاح هذه الرؤية من وجهة نظر السلطة وتحالفها، مشروط بصياغة برنامج وطني عام توافق عليه جميع القوى والحركات الفلسطينية، بهدف إقناع الطرف الإسرائيلي ومن خلفه الراعي الأميركي لعملية التسوية، والذي يتضمن (البرنامج) الاعتراف بقراري الأمم المتحدة 242 و338، ووقف العمليات العسكرية بكل أنواعها بما في ذلك العمل الانتفاضي والنشاطات الإعلامية وما إلى غير ذلك من النشاطات التي برزت في ظل انتفاضة الأقصى، بينما وجد الطرف الآخر بأن هذا البرنامج وهذه الصياغات المبهمة هي مجرد اعترافات مجانية لإسرائيل، وأن البرنامج الوطني هدفه الحفاظ على الثوابت الوطنية أولاً وأخيراً، وأن القضية برمتها مرهونة في ديمومة الانتفاضة والمقاومة، بمعنى لابد من إيجاد مشروع قائد بدلاً من حالة التنافس المحمومة بين الأطراف الكبرى، وقد تبنى على ما يبدو هذا الاتجاه حركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بشكل خاص وبعض القوى المحيطة بهما وهي كثيرة وحدث ولا حرج، بينما وجد الاتجاه الثالث وهو الاتجاه الذي عبرت عنه حركة المقاومة الإسلامية حماس، والذي تضمن رفضا كاملا لعملية التفاوض مع الإسرائيليين، استناداً إلى أن كل سنوات التفاوض الطويلة مع الإسرائيليين لم تجلب سوى الدمار للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، ناهيك بأن هذا الاتجاه قد رفض مسبقاً قضية الاعتراف بإسرائيل باعتبار هذا الاعتراف تفريط بالحقوق الوطنية والشرعية في آن معاً، وأن المقاومة وحدها الكفيلة بدحر الاحتلال وليس من بدائل أخرى عنها. لكن بعيداً عن التصريحات والاتهامات المتبادلة التي تتقاذفها الأطراف الفلسطينية، يجب الاعتراف أن ثمة مشكلة حقيقية تغطي سماء ليس قاعات الحوار ومكاتب الأحزاب والحركات في غزة، بل تغطي سماء غزة والضفة الغربية بشكل عام، وأن هذه المشكلات ناتجة عن خلفيات حزبية ذاتية أكثر منها وطنية، بمعنى أدق أن اتجاهين من الثلاثة اتجاهات المكونة لحركة النضال الفلسطيني يتنازعان على مفهوم وقيم وركائز الحزب القائد، وأن كليهما يحاول تقديم وجهة نظره إلى الأطراف الإقليمية الدولية باعتباره الطرف الأقوى على التمثيل الفلسطيني، لأنه الطرف الأقوى بين صفوف الشعب، بينما الطرف الوسطي أعني الجبهة الشعبية وحركة الجهاد لا يرون بداً من ضرورة الاتفاق على المشروع القائد، بعيداً عن المنازعات الحزبية الضيقة التي تسعى إليها السلطة وحزبها من جهة وحركة حماس من جهة أخرى بهدف الوصول إلى ما يسمى بالحزب القائد، أما عن السبب الكامن وراء بروز مثل هذه القيم الحزبية ـ التمثيلية، فعلى ما يبدو أن القوى الفلسطينية، أعني السلطة وبعض رموزها وبعض رموز حركة حماس، قد اكتشفت قضية غاية بالأهمية، تتلخص في أن الطرف القادر على تثوير الشارع أو لجمه هو الطرف المطلوب إلى التمثيل والتفاوض والتوقيع، وهذه القضية بالتحديد تكشفت بشكل واضح وجلي بعد مطالب الإصلاح الفلسطيني التي هبت نسماتها من الخارج، وبالتحديد من الولايات المتحدة الأميركية، باعتبار أن الطرف القادر على التثوير هو ذات الطرف القادر على الإصلاح، أي القادر على التفاوض وإنجاح التفاهمات حتى النهاية، بل أكثر من ذلك أن بعضهم أو جلهم، يدرك تماماً أنه في لحظة فتح طاولة التفاوض على مصراعيها سيكون المطلوب للجلوس على جنباتها القوى المسلحة، أو إذا شئت المقاتلة، وإذا ما استثنيت فسيكون كل ما يوقع على الطاولة في مهب الريح، أي أن العصف بها مجرد عملية وقت ليس إلا. لهذا السبب بالذات وجد طرفا الحزب القائد ضالتهم بالتمترس كل خلف برنامجه ووجهة نظره، بينما وجد الطرف الوسيط ضالته خوفاً من تفرد طرفي المعادلة المتوازنة بين فتح وحماس بضرورة طرح المشروع القائد باعتباره الأقدر على احتواء التمثيل الشامل لكافة القوى الفلسطينية من دون استثناء. الواقع أن هذه العقلية التي رافقت النضال الفلسطيني من المهد إلى اللحد، ستضع الشعب الفلسطيني بما في ذلك قواه الوطنية والإسلامية على حافة الهاوية، وستعيد الحالة الفلسطينية إلى أربعينيات القرن الماضي والتي تلخصت بضرورة انتقاء ممثلين للفلسطينيين من غير الفلسطينيين باعتبارهم شعبا غير مؤهل لتمثيل ذاته؛ في ذات اللحظة سنشهد حالة من المنازعات الفلسطينية ـ الفلسطينية قد تؤدي ليس بالحقوق الوطنية بل بمستقبل الشعب وهويته الفلسطينية، لكن السؤال الأشمل والأعم إلى متى سيبقى البعض الفلسطيني يبحث عن مشروع الحزب القائد في ظل مستقبل مبهم لهذا الشعب، بالتزامن مع سقوط قيم الحزب القائد من القاموس السياسي الدولي ؟ والى متى سنبقى جميعاً نتجاهل حقيقة المشروع القائد بصرف النظر إلى التحزب لهذا الحزب أو ذاك في ظل مرحلة يسعى فيها الاحتلال إلى تدمير البشر قبل الحجر ؟ ـ كاتب فلسطيني