المؤتمرات الدولية لن توفر حلا لمشكلة الفقر في العالم. و«قمة الارض» المنعقدة في جوهانسبيرغ ليست استثناء. اما انتظار الشعوب الفقيرة ـ خاصة الافريقية ـ لعملية انقاذ من مثل هذه المؤتمرات فإنه كحال متهم سياسي في العالم العربي يأمل ان تنصفه محكمة امن دولة. ان حالة الفقر المدقع التي ينتظم الشعوب الافريقية بصورة خاصة وشعوب العالم الثالث عامة والمتجسدة في حرمان كامل او جزئي من ادنى الحد الادنى لمتطلبات الغذاء والكساء والمأوى الصحي والعلاج والتعليم لم تتبلور بفعل المصادفة. انها الانعكاس الخارجي لنتيجة الصراع العالمي من اجل البقاء بين المجموعات البشرية في هذا العالم وهذا العصر. ومشكلة الشعوب الافريقية هي انها استسلمت للهزيمة استسلاما كاملا. ان المثال الذي يقف نقيضا للحالة الافريقية هو نموذج آسيا الشرقية، وخاصة الصين. لقد كان المشهد الصيني حتى قبيل انتصار الثورة الاشتراكية عام 1949 وتسلمها الحكم ابشع من المشهد الافريقي اضعافا مضاعفة. في ذلك الحين كانت شوارع المدن بما فيها العاصمة بكين تتناثر فيها يوميا عشرات الجثث لمواطنين يموتون من فرط الجوع والبرد. لكن اين الصين الآن؟ انها الاقتصاد الوطني الثالث في العالم بعد الولايات المتحدة واليابان مباشرة. وبمعدل نمو اقتصادي يبلغ حاليا ضعف معدل النمو الاميركي فإن مما يتنبأ به خبراء الاقتصاد الغربيون ان متوسط دخل الفرد في الصين سيبلغ مستوى متوسط دخل الفرد الاميركي بحلول عام 2015. ليتجاوز بعد ذلك. ويبقى السؤال: لماذا ذلك التناقض الكامل والحاد بين المشهد الصيني والمشهد الافريقي؟ لو قلنا ان افريقيا لم تنجب قيادة في مستوى عبقرية ماوتشي تونغ فإن السؤال يظل مع ذلك مفتوحا لماذا ظهرت مثل هذه القيادة الفذة في الصين ولم تظهر في افريقيا؟ ان القيادات القوية لا تنجبها الا شعوب قوية. فالشعوب الواهنة لا تنجب سوى قيادات واهنة وفاسدة لا يتعدى هاجسها الفكري همومها الذاتية الصغيرة. وهذا بالضبط مما ينطبق على النخب الحاكمة في بلدان افريقيا. ان البؤس المتفاقم الذي ظلت تعانيه اجيال بعد اجيال من الشعوب الافريقية هو النتيجة المباشرة لنشوء طبقة حاكمة من بين نخب مثقفة من مدنيين وعسكريين تتحالف مع قوى خارجية في نهب موارد الثروة الوطنية مما ادى الى افلاس الاقتصادات الوطنية. ولنضرب مثالا: يطالب «صندوق النقد الدولي» الاداة المالية للسياسة الخارجية الاميركية ـ القيادة الحاكمة في دولة افريقية باتخاذ قرار بخفض سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار الاميركي. على الفور تستجيب القيادة الحاكمة.. فتكون النتيجة خرابا ماحقا على الاقتصاد الوطني لان خفض سعر العملة يؤدي الى كارثتين في آن معا تستفيد منهما الشركات الاميركية العالمية. فمع تقلص قيمة العملة الوطنية مقابل الدولار تتضاعف اسعار السلع المستوردة من الشركات الاميركية بينما في الوقت نفسه يتقلص دخل الدولة من صادراتها الى السوق الاميركية. ومن الواضح ان مثل هذه المعادلة الشريرة لا تتحقق الا بتواطؤ من النخبة الحاكمة المحلية. وبطبيعة الحال فإن قيادات النخبة الحاكمة تقبض مقابل هذا التواطؤ ثمنا يتمثل عادة في رشاوى مالية من الشركات «متعددة الجنسية» تودع في حسابات مصرفية سرية في الخارج. ان هذا النهب والاستلاب المنظم للموارد الاقتصادية الوطنية في البلدان الافريقية وما يفرز من افقار لشعوبها على نمط متفاقم لن توقفه المؤتمرات الدولية من شاكلة «قمة الارض» لان الحكومات الغربية التي تسيطر عادة على مجريات هذه المؤتمرات هي الحارس الاول لمصالح الشركات العملاقة «متعددة الجنسية». لذا فإن المصير البائس للشعوب الافريقية لن يتغير دون ان تثبت لنفسها وجودا في ساحة الصراع العالمي البشري من اجل البقاء. ولكن لكي تتأهل الشعوب الافريقية لدخول حلبة هذا الصراع العالمي الشرس فإنه يتعين عليها اولا مجابهة نخبها الحاكمة المحلية. بايجاز.. ان طريق الخلاص الاوحد المتاح للشعوب الافريقية ضد حالة الافقار المفروضة عليها هو استلهام التجربة الصينية التي ما كان لها ان تنجح الا لانها بدأت بثورة داخلية.