يقول علماء الادارة بان اصعب مراحل العمل تكون عند الخطوة الاولى، فاذا ولجت الخطوة الاولى واتممتها فان الخطوات التالية تكون اسرع وايسر واكثر سهولة. وهذا الرأي الذي يتبناه علماء الادارة لا تؤيده التجارب العملية في الجانب المهني فقط، انما تظهر له شواهد اخرى في جوانب الحياة المختلفة، منها جانب العلاقات الاجتماعية الذي تظهر فيه الحاجة الى استخدام قانون الخطوة الاولى من اجل تنشيط العلاقة الاجتماعية والدفع بها نحو النجاح والتميز. ان العلاقة الاجتماعية تنمو بشكل طبيعي حين يكسر الفرد حاجز الرهبة والتردد، ويبدأ في التعبير عن وجهة نظره في امر بدا له انه يتسم بشيء من الخلل والنقص، وانه قد يؤثر في المستقبل في حال استمراره على شخصية ذلك الصديق او تلك الصديقة. ان التفكير من خلال دوائر التأثير المتبادل، والتصميم على المكاشفة المستمرة، وإطلاع كل فرد صاحبه بملاحظاته التي يسجلها حول سلوكه العام هي مؤشرات تدل على حيوية العلاقة، وقوتها وقدرتها على فهم الشخص الذي يقف امامها ويرتبط معها بعلاقة مودة وصلة، ورغم ذلك يبدو في لهجته شيء من التحفظ والمخالفة مع وجهة نظر صاحبه القديم، وزميله المخلص. وكم من صداقات ذهبت في مهب الريح، وعفى عليها الدهر، واتاها النسيان، والسبب لحظة مواجهة مع الصديق والصاحب، الذي لم يحتمل الصراحة المباشرة وظنها هجوماً على شخصه، وانتقاصاً من كرامته وقدره. ويوم ان تشترط الصداقة ان تكون اداة تحقيقها المجاملات والكلمات المعسولة فمن المنتظر ان تتصدع اركانها امام اول تحد حقيقي يطالب ضمير احد الطرفين بأن يبادر بلفت انتباه صاحبه الى خطأ يمارسه او سلوك يعيبه. ذلك ان المودة الحقيقية لا تقف عند القشور، بل تصل الى اللب، ولا تقف عند حدود الابتسامة المصطنعة والايماءة المتكلفة، والمصافحة الباردة، وإنما هي شيء اكبر من ذلك بكثير. وكل مبتسم امام الخطأ، وضاحك امام السلوك الاعوج هو انسان سلبي لا يحمل من الشعور بالمسئولية، او ذكاء العاطفة ما يرفعه الى مستوى التأثير على الاشخاص الذين ينتمي اليهم. وفي حين ندعو الى المكاشفة، وابداء الرأي بعفوية وسلاسة دون ابطاء، ونرغب في البدء بالخطوة الاولى نحو تحقيق حوار إيجابي مثمر وقادر على المشاركة في تقويم السلوك والتصرفات فان ذلك لا يعني على الاطلاق ان تكون هذه المصارحة بلغة استفزازية ساخرة، وكأن الانسان يتصيد لاخيه ويبحث عن عيوبه، ويفتش عن مكامن ضعفه. فاذا رأى منه ما يعيب بادر بالهجوم عليه والتشهير به!! ليس هذا من عاداتنا، ولا من موروثنا من القيم والاخلاق، وكما ان الساكت عن الحق شيطان اخرس، فالناطق بالحق بطريقة فجة عديمة الذوق، هو شخص مريض معتل الروح والمزاج، همه ان يتفرج على غيره وهو يمارس سلوكاً سلبياً، فاذا ما اراد لفت انتباهه اختار طريق السخرية والتهكم والاجتراء على غيره. ولقد انتبه شاعر الحكمة والموعظة محمود الوراق الى هذا السلوك الاستفزازي الذي ينم عن روح مريضة، لا تستطيع ان ترتقي الى افق الحوار البناء، والمكاشفة النزيهة من اغراض النفس فوصفهم بما يستحقون، واجاد الوصف حين قال عنهم: تلقى الفتى يلقى أخاه وخدنه في لحن منطقه بمالا يغفر ويقول: كنت ممازحاً وملاعبا هيهات نارك في الحشا تتسعر ألهبتها وطفقت تضحك لاهيا عما به وفؤاده يتفطر اوما علمت ـ ومثل جهلك غالب ان المزاح هو السباب الاكبر لقد رأى الشاعر النبيه ان المزاح هو السباب الاكبر، ولا ندري بماذا نرد عليه، هل نقبل كلامه فنسحب البساط من تحت اولئك الذين يستظرفون انفسهم، ويظنون ان لديهم قدرة على اضحاك جلسائهم ولو باستصغار شأن احد الاصدقاء ونقول لهم: لستم ظرفاء، ولا خفيفي الظل بل انتم ثقلاء الظل جداً، وباردوا الاحساس ووجودكم في اي مجلس يحتاج الى انواع من المحسنات المزاجية الفعالة لكي لا يصاب جليسكم باعتلال في روحه، أو سقم في بدنه. انها حيرة تواجه انسان هذا العصر، ففي حين يقف على يمينه شخص مجامل على طول الطريق، يقف على الطرف الايسر شخص هازيء ساخر لا يبالي ماذا اصاب محدثه من جمر كلامه الحارق!! أليس من حقنا ان نسعد بعلاقات ناضجة فيها من الحكمة والصراحة والذوق ما ينعش الحياة من حولنا، ويؤكد لنا ان انسان الالفية الثالثة مازال قادراً على تحمل مسئولياته الاجتماعية.