ما الذي ينتظرني لو انني وجهت إليك السؤال التالي: هل حدث ان وقفت أمام المرآة ونظرت إلى نفسك؟ قبل ان تفكر في الاجابة سترميني بنظرات شك وريبة، وبعد ان تستعرض قائمة من التهم التي يمكن ان توجهها لي سوف تكتفي ـ على أحسن الفروض ـ باحدى اثنتين، هذا إن لم تنصرف من أمامي متهماً اياي بعدم اكتمال العقل الذي هو تعبير مهذب عن الجنون: ستقول انني إما ان أكون ساذجاً إلى الدرجة التي يمكن معها ان أوجه سؤالاً غبياً إجابته معروفة وبديهية كهذا، او انني أفترض فيك انت السذاجة والبلاهة إلى الدرجة التي يمكن معها ان يوجه إليك سؤال غبي كهذا. وكلا الاحتمالين بعيد عن الحقيقة، لذلك سأجد نفسي مدعواً إلى مزيد من الشرح، وأكون قد استدرجتك معي إلى المنطقة التي أريد، فأقول لك انني لا أقصد تلك المرآة العادية التي نقف أمامها عشرات المرات في اليوم الواحد مبدين اعجابنا بهيئاتنا التي ربما لا يجدها الآخرون جديرة بالاعجاب، أو متتبعين لخطوط الزمن وهي تغير خرائط وجوهنا محدثة فيها تعرجات نحاول اخفاءها بشتى الوسائل، وتبدل ألواناً نبادر إلى تصحيحها واعادتها إلى ما كانت عليه. وكلما تراكم في رصيدنا المزيد من سنوات العمر تزايد وقوفنا أمام المرايا من مختلف الاحجام، وأصبحنا اكثر التصاقاً بها وأقل قدرة على مبارحتها. المرآة التي أقصدها وأتحدث عنها مرآة من نوع مختلف.. مرآة صادقة لا تنطلي عليها ألاعيب الصبغات والكريمات ومنتجات مصانع مستحضرات التجميل لأنها تعرّينا من الداخل وتكشف عما هو تحت جلودنا، انها أشبه ما تكون بأجهزة أشعة المستشفيات مع فارق واحد هو اننا وحدنا من يستطيع تحليل نتائج صورها، وقياس درجة صدقها وكذبها لأننا وحدنا المتحكمون في ضبط عدساتها وتحديد أحجامها. مرة أخرى أجدني مضطراً لاعادة طرح السؤال: هل حدث ان وقفت أمام المرآة ونظرت إلى نفسك؟ وإذا كنت قد فعلت ذلك فما هو مقدار الصراحة التي واجهت نفسك به؟ وهل استطعت ان تتخلص من كل الاقنعة التي ترتديها وتواجه الناس بها مخفياً وراءها الصورة الحقيقية التي يفترض ان تكشفها لك تلك المرآة؟ ربما كان الكثير منا قد فعل ذلك بينه وبين نفسه، ولكنهم قليلون أولئك الذين استطاعوا ان يخرجوا الى الناس مسقطين كل الاقنعة، فسجلوا سيرهم الذاتية دونما ورقة توت صغيرة تستر عوراتهم لينشروها بعد ذلك في كتب تتداولها الأيدي وتصبح مثار حديث قرائها ومن لم يقرؤوها. هكذا ولد أدب الاعتراف أو كتابة السير الذاتية التي كان أشهر روادها الفيلسوف والمفكر الفرنسي الشهير «جان جاك روسو» أهم كتّاب عصر العقل الأوروبي الممتد من أواخر القرن السابع عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، حيث قدمت اعترافاته نمطاً غير مسبوق من السير الذاتية التي تحوي أسراراً شخصية قلّما كان يبوح بها الكتاب قبله إذ سجل فيها أدق احداث حياته ـ خيرها وشرها، طيبها وخبيثها ـ دون ان يجفل من مواجهة الحقيقة، كاشفاً عن نفسه، مظهراً لها على حقيقتها دون أي زيف أو تستر. ورغم ان عدداً كبيراً من الكتاب والمبدعين قد عبروا عن ذواتهم في أعمالهم الروائية والقصصية تحديداً، إلا انهم قلة أولئك الذين امتلكوا الشجاعة الأدبية والاجتماعية لتعرية ذواتهم أمام القراء كما فعلت الكاتبة التشيلية «ايزابيل الليندي» في كتابها «باولا» الذي حمل اسم ابنتها التي دخلت في حالة سبات عام 1991 نتيجة اعطائها جرعة مسكن مكثفة اثر اصابتها بأزمة من أزمات داء «الفرفيرين» الذي كانت تحمله بالوارثة. وإلى جانب سرير «باولا» وبينما هي تتابع بكآبة تطور المرض بدأت «ايزابيل الليندي» تدون على صفحات دفتر قصة أسرتها وقصتها هي نفسها لتقدمها هدية إلى ابنتها بعد ان تتجاوز محنتها، لكن المرض امتد لشهور طويلة، وتحولت ملاحظات الكاتبة إلى كتاب مؤثر كاشف عن شخصيتها في صراحة منقطعة النظير بدأتها بمخاطبة ابنتها قائلة: «انك تمضين في رحلة فريدة عبر كثبان اللاوعي، فلماذا كل هذا الكلام إذا كنت لا تستطيعين سماعي؟ ولماذا هذه الصفحات التي قد لا تستطيعين قراءتها مطلقاً؟ إن حياتي تتجسد حين أرويها وذاكرتي تتثبت بالكتابة وما لا أصوغه في كلمات وأدونه على الورق سيمحوه الزمن». بعد عام من السبات المتواصل توفيت «باولا» وقرأ العالم كله نيابة عنها تلك الصفحات التي تحولت إلى كتاب رائع. ولم يكن العقل العربي متأخراً في يوم من الايام عن هذا النوع من الادب، فمنذ عشرة قرون تقريباً سجل الفيلسوف والمفكر الامام أبو حامد الغزالي رحلته من الشك إلى اليقين في كتابه الشهير «المنقذ من الضلال» وبعده بتسعة قرون ولد في قرية الكيلو بمحافظة المنيا في مصر طفل أصيب بالعمى في صغره ثم أصبح بعد ذلك عميداً للأدب العربي هو طه حسين، الذي يبدو انه قد تأثر بروسو ضمن ما تأثر به من الثقافة الفرنسية فسجل لنا سيرة ذاتية لم تنقصها الصراحة في كتاب من ثلاثة أجزاء أسماه «الايام» مقدماً لنا وحدة من أكثر السير الذاتية جرأة ونقداً لاذعاً للمجتمع المحيط به بدءًا من نفسه ومروراً بعائلته ومدرسته وأساتذته وانتهاء بالسلاطين والقادة السياسيين. تحدث طه حسين عن أبيه وأمه قائلاً: «وأحسّ ان الحياة مملوءة بالظلم والكذب، وان الانسان يظلمه حتى أبوه وأمه، وأن الأبوّة والأمومة لا تعصم الاب والأم من الكذب والعبث والخداع». وتحدث عن المجتمع المحيط به في صغره فقال: «وأي فرق بين الشيخ (يقصد أباه) يقسم ويحنث وبين سيدنا (يقصد استاذه في الكتّاب) يرسل الطلاق والايمان ارسالاً وهو يعلم انه كاذب؟ وهؤلاء الصبيان يتحدثون إليه فيشتمون الفقيه والعريف ويغرونه بشتمهما حتى إذا ظفروا منه بذلك تقربوا به إلى الرجلين وابتغوا إليهما الوسيلة. وهذه امة تضحك منه وتغري به سيدنا حين أقبل يتحدث إليها بما نقل إليه الصبيان، وهؤلاء اخوته يشمتون به» ثم مضى قائلاً عن نفسه:«وكان صبياً يختلف بين هؤلاء العلماء جميعاً ويأخذ عنهم جميعاً حتى اجتمع له من ذلك المقدار من العلم خضم مختلف مضطرب متناقض ما أحسب إلا انه عمل عملاً غير قليل في تكوين عقله الذي لم يخل من اضطراب واختلاف وتناقض». بعد ذلك بسنوات شكلت فارقاً زمنياً كافياً لمزيد من الصراحة كان الأديب المغربي محمد شكري ينشر سيرته الذاتية في كتاب «الخبز الحافي» بصراحة تجاوزت كل الحدود وأدت إلى منعه من التداول في كثير من الدول العربية لفرط ما احتواه من تعرية لحياة الكاتب والمحيطين به، حتى قال عنه الطاهر بن جلون: «ان الذي يكتبه شكري هو من الأمور التي لا تقال. بحيث يلفها الكتمان، أو على الاقل لا تكتب وتنشر في الكتب، خصوصاً في ميدان الادب العربي المعاصر». ولم تكن المرأة العربية غائبة عن هذا النوع من الادب إذ حوت المكتبة العربية العديد من كتب السيرة الذاتية لأديبات وشاعرات وشخصيات نسائية شكل بعضهن جزءاً من التاريخ السياسي لبلدانهن كالسيدة جيهان السادات التي سجلت سيرتها الذاتية في كتاب «سيدة من مصر» كما جمع بعضهن بين أكثر من جانب كالشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان التي سجلت سيرتها الذاتية في كتابين حمل الاول عنوان «رحلة جبلية.. رحلة صعبة» وصدر عام 1985، حيث روت تفاصيل طفولتها وشبابها ونضوج تجربتها الشعرية وانهت هذه المرحلة بالاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية في يونيو (حزيران) 1967، ثم أصدرت الجزء الثاني من سيرتها الذاتية بعنوان «الرحلة الأصعب» عام 1993 لتكمل رواية حياتها وحياة شعبها خلال سنوات الاحتلال الاسرائيلي، ولأن الشاعرة قد اعتمدت على الذاكرة وعلى الاوراق المتاحة لها ـ كما يقول الأديب الأردني الدكتور يوسف بكار ـ فإن أشياء لها أهميتها من الناحية الادبية فاتتها وقام الدكتور باستدراكها في كتاب أسماه «الرحلة المنسية». هل حدث ان وقفت أمام المرآة ونظرت إلى نفسك؟ أعود لطرح السؤال من جديد وأنا في مأمن هذه المرة من الاتهام بالسذاجة أو مظنة اتهامك بها. السؤال المهم هو: كم واحد منا يملك مثل هذه المرآة؟ السؤال الاهم هو: كم واحد منا مستعد لرؤية صورته الاصدق ـ وليس بالضرورة الاجمل ـ إذا هو ملكها؟ أما السؤال الاصعب فهو: كم واحد منا يملك الشجاعة لعرض تلك الصورة على الآخرين إذا هو رآها؟ ما هذا الصمت الذي خيّم فجأة؟!!