تتزايد المؤشرات الصادرة من واشنطن في شأن الضربة العسكرية المقررة ضد العراق، بأن الولايات المتحدة تعتزم دخول المغامرة منفردة، بعد ان اظهرت معظم دول العالم، أشكالاً مختلفة ومتفاوتة من الرفض، او عدم الرضا، للخطوة الأميركية، وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها، بدا الرأي العام الأميركي، خلال الأسابيع الاخيرة، اقل حماساً لهذه الحرب، في حين ما زالت ادارة الرئيس جورج بوش تبحث عن حجج وذرائع للانغماس فيها، وذلك كي لا يبدو موقفها وكأنه استجابة كاملة للرغبات الاسرائيلية. ومع ان العديد من السياسيين والمخططين الاستراتيجيين الاميركيين ارتفعت اصواتهم في الآونة الاخيرة تحذر من مغبة الاندفاع المتسرع في اتجاه ساحة الحرب العراقية لكن ابرز هؤلاء المحذرين كان وزير الخارجية الاسبق جيمس بيكر الذي اعتبر احد ابرز المهندسين السياسيين لحرب العام 1991. وترافقت تحذيرات بيكر من الانفراد الأميركي مع معلومات تشير الى ان جورج بوش الاب نفسه، الذي قاد حرب الخليج الثانية واعتبر المنتصر الاول فيها، ابلغ ابنه جورج دبليو بوش اعتراضاته على الاسلوب المعتمد في ادارة الصراع مع العراق، وخاصة فيما يتعلق بإهمال تشكيل تحالف دولي يخوض الحرب الى جانب الولايات المتحدة ويتحمل جزءاً من مسئولياتها وتبعاتها، وهي النقطة ذاتها التي ركز عليها جيمس بيكر، معتبراً ان الثمن السياسي والاقتصادي لاطاحة الرئيس العراقي صدام حسين قد يكون باهظاً اذا تحركت الولايات المتحدة بمفردها. وعلى ذلك، فإن الاعتراضات المرفوعة في وجه الادارة الاميركية لا تتعلق بهدف الحرب، وهو تدمير الجيش العراقي واحداث تغيير جذري في نظام الحكم، وانما باعداد الوسائل الضرورية لها، ووفقاً لمقال نشره جيمس بيكر (وزير الخارجية في ادارة بوش الأب) في صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن ثمة أمرين يتعين على ادارة بوش الابن ان تهتم بهما وتعمل على تحقيقهما قبل التوجه الى الحرب: الاول، تشكيل تحالف دولي واسع يشارك في الحرب الى جانب الولايات المتحدة، والثاني، حمل مجلس الامن الدولي على اصدار قرار يلزم العراق بالرضوخ لعمليات تفتيش في اي وقت وفي اي مكان من دون استثناء واجازة كل الوسائل الضرورية لفرض تطبيق ذلك. تخبط داخل الادارة الاميركية وتزيد هذه الاعتراضات والتحذيرات من حال الارتباك والتخبط التي تعيشها الادارة الاميركية حالياً. فالتحالف الدولي الواسع الذي دعا اليه جيمس بيكر لا وجود له على الاطلاق، وتواجه الادارة الاميركية مزيداً من العقبات في هذا المجال. ولا يقتصر امر المعارضة على الدول العربية والاقليمية كلها، وانما يشمل حلفاء الولايات المتحدة الاوروبيين، لاسيما المانيا وفرنسا، حيث يؤكد مستشار الاولى غيرهارد شرويدر يومياً معارضته المطلقة لأي عمل عسكري ضد العراق بسبب انعدام مبرراته، بينما تصر الثانية على قرار اجماعي في مجلس الامن يجيز الحرب ويحدد اهدافها. اما روسيا التي تعارض الحرب كلياً فهي تستعد لتوقيع برنامج تعاون واسع مع العراق يبلغ حجم المشاريع التي يشملها نحو اربعين مليار دولار. كذلك ترتفع اصوات معارضة الحرب الاميركية في كل من الصين واليابان والهند ودول عديدة اخرى. فالادارة الاميركية فشلت في ان تقدّم اي دليل على امتلاك العراق اسلحة دمار شامل، كما ان مسألة الاطاحة بالنظام العراقي ـ باعتبارها هدفاً وحيداً للحرب ـ لا تلقى حماساً من احد، على الرغم من الملاحظات التي تسجلها دول عديدة في شأن بعض الممارسات العراقية الداخلية. وفي المقابل فإن موضوع عودة المفتشين الدوليين الى العراق للتحقق من وجود اسلحة دمار شامل، الذي يحظى بموافقة معظم دول العالم، لا يجد الاهتمام الكافي من واشنطن، ربما لأن صقور البيت الابيض الذين يبدون في عجلة من امرهم لضرب العراق، لا يريدون انتظار الاجراءات التي تفرضها آلية التفتيش على أسلحة الدمار الشامل، وكذلك النتائج التي يمكن ان تترتب على فشل المفتشين في العثور على ادلة تدين العراق، فماذا يحدث لو تبين فعلا ان العراق لم يعد يملك اي نوع من انواع اسلحة الدمار الشامل، بيد ان الكلام عن هذا الموضوع يصبح لا معنى له امام التأكيدات الاميركية اليومية في شأن الاستعدادات العسكرية الجارية في الكثير من مكان تمهيدا لتوجيه الضربة العسكرية المحتملة. المحللون الذين يسمعون كلاما متزايدا عن الضربة الوقائية وفقا لاستراتيجية الرئيس جورج بوش الجديدة، يعتبرون ان الادارة الأميركية تتعمد وضع العراقيل امام عودة المفتشين الدوليين الى العراق خوفا من سقوط هذه الذريعة التي يمكن ان يقدم اجماع دولي حولها، في الوقت الذي لا تملك واشنطن معلومات كافية حول ما اذا كان العراق تخلص نهائيا من اسلحته المحظورة. ولذلك فان حديث «الضربة الوقائية» يجنبها تقديم اي دليل ملموس، باستثناء الكلام العمومي الذي يتردد يوميا عن موقع العراق فيما يسميه بوش «محور الشر» وتهديده المصالح الأميركية بصورة عامة. مقارنة مع وضع العام 1991 والقيادة العراقية، بدورها، لا تشعر ان موافقتها على عدد المفتشين يحل المشكلة، طالما أن الضربة العسكرية الأميركية قادمة وحتمية، بغض النظر عن دوافعها ومبرراتها. وثمة من يحاول ان يعقد مقارنة بين الوضع العراقي الحالي وذلك الذي سبق التحرك العسكري في العام 1991، على الرغم من ان العراق كان يومئذ متورطا في موضوع دخول الكويت، بينما لا يهدد اي طرف الآن. والقصد من هذه المقارنة الاشارة الى ان القيادة العراقية كانت تعتقد آنذاك ان الولايات المتحدة لن تهاجم العراق، وبالتالي سيكون من الخطأ تقديم تنازلات من جانبها قد تكون مجانية. ولكن بعد حشد ما يقرب من سبعمئة الف جندي في مواجهتها، انقلبت التقديرات العراقية رأساً على عقب. بيد ان الاستنتاج الذي توصلت اليه بغداد لاحقاً، وهو ان الولايات المتحدة ستهاجم العراق سواء سحبت قواتها من الكويت أم رفضت ذلك، جعلتها تزداد تمسكاً بعدم التراجع عما أقدمت عليه، والآن انتهت القيادة العراقية، كما يبدو، الى النتيجة نفسها: مهما فعلنا.. الهجوم الأميركي قادم وحتمي، ولا فائدة بالتالي من تقديم التنازلات. استناداً الى هذه الوقائع يجد المراقبون وجه شبه كبيراً بين الوضع السائد الآن، فيما يتعلق بطرفي الصراع الرئيسيين: العراق والولايات المتحدة، وذاك الذي كان سائداً عشية حرب الخليج الثانية. في ذلك الوقت كانت الادارة الأميركية تخشى ان يسحب العراق قواته فعلاً من الكويت فيسقط مبرر الحرب ضده. إلى حد ان بعض الصحف الأميركية وصف احتمال الانسحاب العراقي بأنه يشبه «الكابوس» بالنسبة لواشنطن. وكما ان ادارة بوش الأب كانت تتعمد استفزاز النظام العراقي بقصد دفعه الى المعاندة والتصلب وابقاء قواته في الكويت، فإن ادارة بوش الابن تفعل الآن شيئاً مماثلاً حيث تسد طريق التراجع أمام الرئيس العراقي حفاظاً على قوة الدفع في اتجاه الانقضاض عليه. ولعل أسلوب التعامل مع موضوع عودة المفتشين الدوليين خير دليل على ذلك. مأزق «عدم التراجع» يمكن القول، باختصار، ان ادارة الرئيس جورج بوش (الابن) وضعت نفسها والنظام العراقي أمام مأزق «عدم التراجع»، ولكن كل منهما لاعتباراته الخاصة. فهي لا تستطيع تشكيل تحالف دولي يخوض الحرب الى جانبها ضد العراق بسبب انتفاء شرعية العملية، قانونياً وأخلاقياً. وهو (النظام العراقي) لا يستطيع الاستجابة لمطلب عودة المفتشين من دون شروط أو حدود زمنية، لأنه يعتبر محاولة للتجسس عليه وجمع معلومات أمنية، كما حدث في مرات سابقة، حتى تصبح الضربة الأميركية المتوقعة أكثر فعالية. والنتيجة ستكون كارثية على المنطقة كلها، وفقاً لمختلف التوقعات. لكن الفارق بين الموقفين والحربين، ان الثمن الذي تجنبت الولايات المتحدة دفعه عام 1991، بفضل تحركها ضمن تحالف دولي واسع، ستضطر الى دفعه في الحرب المرتقبة التي تستعد لدخولها وحيدة ومن دون مساهمين أو مشاركين، باستثناء اسرائيل طبعاً. ووفقاً لتقديرات الخبراء الأميركيين أنفسهم، فإن هذا الثمن سيكون باهظاً. ـ كاتب لبناني مقيم في باريس