بعد موقف إسرائيل من لجنة تقصي الحقائق في جنين، لم يعد هناك شك في حقيقة أن هناك مذابح وجرائم حرب قد ارتكبتها القوات الإسرائيلية في جنين بل وفي غيرها من المدن، والقرى الفلسطينية، إلا أن المذبحة الأخطر هي مذبحة «القانون الدولي والشرعية الدولية»، التي تمثلت في استهانة إسرائيل بقرارات مجلس الأمن، بل والضرب بها عرض الحائط. ان هذه المذبحة القانونية تمثل خطراً حقيقياً على المجتمع الدولي، يزيد كثيراً عن مخاطر الإرهاب الدولي، وبغض النظر عن الموقف السياسي الذي نعتنقه، فإن هذه الانتهاكات الأخيرة تستدعي وقفة جادة وحاسمة لكل من يهتم بقضية السلام والأمن العالمي. دعونا أولاً نتساءل: ما هو السلام؟،هل هو مجرد غياب حالة الحرب؟..وما هي الحرب؟، هل هي بالفعل السياسة بوسائل أخرى؟.. إذا كان السلام هو مجرد غياب الحرب، فإن ذلك يعني أن العالم يعيش في سلام شامل باستثناء بعض النقاط الساخنة التي تدور فيها العمليات العسكرية بالمعنى الضيق لذلك، إلا أن ذلك ليس صحيحاً على الإطلاق، فلو نظرنا مثلاً لحالة كوريا الشمالية أو إيران أو العراق، فرغم عدم وجود عمليات عسكرية بالمعنى التقليدي، لا يمكن وصف حالاتها بأنها أحوال سلام، وذلك ينطبق على مناطق عديدة في العالم حيث يسود التوتر وتتزايد الضغوط الداخلية أو الخارجية. هل يمكن أن يتمتع مجتمع إنساني بالسلام وهو يعاني من الفقر والجهل والمرض، حتى في غيبة الحرب؟.. أن السلام أكثر شمولاً من هذا التعريف الضيق.. أما وصف الحرب بأنها امتداد للسياسة أو الدبلوماسية، فذلك يشبه أن نقول أن الموت هو امتداد للحياة، فالحرب لا يمكن أن تكون امتداداً للسياسة أو الدبلوماسية، بل هي إعلان بفشل كليهما أو على الأقل إفلاسهما.. قبل الحرب العالمية الأولى، أعترف القانون الدولي بسيادة سياسات القوة التي كانت الحرب فيها مجرد النقطة الخاتمة للضغوط السياسية والاقتصادية، وقد منح الحرب شيئاً من الشرعية ولذلك فلم يتدخل في حق اللجوء للحرب ي لف ٌٌٍمق ، وحتى مؤتمرات السلام في لاهاي عام 1899 و 1907، لم يكن معترفاً حتى بعدم شرعية اللجوء للحرب دون الإعلان الرسمي بذلك، رغم أن العرف الدولي كان يفرق بين ما يسمى «الحرب العادلة» و «الحرب غير العادلة» على أساس قانوني، ومع ذلك فإن كل طرف كان يجد المبررات المسوغة لشن الحرب باستخدام ما يسمى حق الدفاع عن النفس. ولقد ذهب الفقيه المعروف «جروشيوس» إلى أبعد من ذلك، حيث رأي أن رضاء الأمم قد أدى إلى خلق قاعدة تقول بأن كل الحروب التي تشن من طرفين بواسطة سلطة سيادية هي حروب عادلة. وقد قامت مؤتمرات لاهاي للسلام عامي 1899 و1907، بوضع قواعد قانونية للحروب، وأسهمت في التفرقة بين المحارب (َففقٍُ) وغير المحارب (-َُخ َففقٍُك)، وكان لها دور في وضع حدود لما يسمى بالحق في الحرب. وفي الفترة ما بين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، فإن فقهاء القانون الدولي واصلوا جهودهم في هذا الإطار، فقد كان حجم الخسائر في الحرب العالمية الأولي، وبدء ظهور النظرية الشيوعية التي استنكرت الحروب الاستعمارية، مع زيادة وعي الرأي العام الدولي، كل ذلك ساعد في تطوير نظريات مضادة للحرب. لذلك، فإن اتفاقية فرساي للسلام عام 1919 قد تضمنت في مادتها 227 اتهام الامبراطور ويلهلم الثاني بارتكاب جريمة عظمي ضد الأخلاق الدولية وقدسية المعاهدات، وبعد ذلك جاء عهد عصبة الأمم كي يضيف ولأول مرة إلى القانون الدولي التفرقة بين الحرب الشرعية وغير الشرعية من خلال معاهدة. ومع ذلك فإن تجريم الحروب دون أن تكون هناك آليات للأمن الجماعي أو حل النزاعات بالطرق السلمية، أدى إلى ظهور سياسات القوة مرة أخرى، ونكسة كبيرة للقانون الدولي في هذا الشأن، وفي النهاية كانت الحرب العالمية الثانية. وقد ظن من تولوا صياغة ميثاق الأمم المتحدة، أن حقيقة كون هذه المنظمة تتكون من كل قوى العالم، فأن ذلك سوف يخلق نظاماً عالمياً أقوى من ذلك الذي كان في عصر عصبة الأمم، رغم أنهم استخدموا نفس قواعد المنظمة السابقة. ولذلك فقد اقتصرت الحروب المشروعة على تلك الخاصة بالدفاع عن النفس، أو الأمن الجماعي ضد هجوم مسلح، وذلك طبقاً للفقرة الرابعة من المادة الثانية، والمادة 51، و106 و 107، أما أي حروب أخري خارج هذه الحدود تعتبر حروباً عدوانية. ومع ذلك فقد أثبتت الأحداث أن ذلك الإطار القانوني، وما تضمنه الفصل السادس والسابع من واجبات لمجلس الأمن، كل ذلك لم يكن مؤثراً للأسباب التالية: 1- ان الحدود لم تكن واضحة بين ما يسمى «الدفاع عن النفس» و «العدوان»، فقد اعتبر بعض أشخاص القانون الدولي أن «الضربة الوقائية» إلى قوات العدو تعد بمثابة دفاع عن النفس توقياً لهجوم منتظر من تلك القوات حتى ولو كانت كل الظروف تؤكد عكس ذلك (مثال الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل في يونيو 1967). 2- الصراع بين الشرق والغرب، وانعكاس ذلك في حروب الدول التي تدور في فلك كل منهما. 3- قبول بعض الحكومات بتدخل عسكري لدول أخرى بهدف القضاء على حركة تمرد تكون بدورها مدعومة عسكرياً بدول أخرى. وبالتالي فأن التهديد أو انتهاك السلام والأمن الدولي كان يواجه دائماً في مجلس الأمن بالفيتو طبقاً لكل حالة ومواقف الدول الكبرى منها، ولا شك أن ذلك أثر على تطور القانون الدولي من حيث التطبيق، وأدى إلى شلل حقيقي للمنظمة الدولية فيما يتعلق بمسائل السلم والأمن الدوليين. ـ كاتب مصري