مع تسارع العد التنازلي لحلول اليوم الحادي عشر من سبتمبر ـ الذكرى الأولى لأحداث التفجير الزلزالية في نيويورك وواشنطن وما أفرزت من حرب اميركية ذات ابعاد عالمية ضد «الارهاب» هي الاولى من نوعها في التاريخ البشري ـ نتساءل: ما هو سجل النتائج التي احرزتها الولايات المتحدة للقضاء على الظاهرة الارهابية العالمية؟ ربما نحتاج لمجلدات من اجل رصد هذه النتائج التي برزت على اصعدة سياسية وأمنية وعسكرية وثقافية على المستويين الاميركي والعالمي. لكن هناك نتيجة واحدة بعينها ربما تقدم تلخيصا بليغا يعكس المغزى العام لكل النتائج. المغزى هو انه اتضح ان اكبر تنظيم ارهابي في هذا العصر هو جهاز حكم عملاق اسمه «الادارة الاميركية». نتوقف عند حادثة واحدة بعينها: القتل الجماعي العمد لنحو ألف من البشر عن طريق الاختناق. لقد عمدت القوات الاميركية منذ ان وطأت اقدامها الارض الافغانية تمارس القتل العشوائي الجماعي كرياضة شريرة. هذا في حد ذاته بشع بما يكفي. لكن الحادثة الابشع هي اعدام ألف مقاتل افغاني بعد ان استسلموا ووقعوا في الأسر ثم التستر على الجريمة ومنع اي تحقيق بشأنها. وقعت هذه الجريمة في نوفمبر الماضي عندما دفع بالأسرى الألف الى حاويات بضاعة خالية وبلا نوافذ وأغلقت عليهم باحكام بغرض ترحيلهم من مكان الى آخر. ومع سير الشاحنات التي تقل هذه الحاويات ببطء متعمد كان الألف شخص المحتجزون قد لفظوا جميعا انفاسهم الاخيرة قبل وصول الشاحنات الى المكان المقرر. الآن مضت نحو عشرة شهور على الحادثة. والسؤال المطروح: لماذا لم تأمر رئاسة القوات الاميركية في افغانستان باجراء تحقيق؟ ان هناك شيئا واحدا على الاقل في حكم الثابت وهو ان بعضا من امراء الحرب الافغان هم المسئولون مباشرة عن تنفيذ الجريمة وأن هؤلاء السفاحين الكبار كانوا وما زالوا يعملون لحساب قادة القوات الاميركية مقابل اجر. لقد دفن هؤلاء الالف قتيل في مقبرة جماعية. وبعد ان اشتد لفط بعض منظمات حقوق الانسان الغربية وارتفع صوتها تدخلت الأمم المتحدة بعد ستة شهور فبعثت بفريق من اخصائي الطب الشرعي الى موقع المقبرة الجماعية. وقد اثبت الفحص ان الضحايا قضوا فعلا بالاختناق.. الامر الذي شجع منظمات حقوق الانسان على تشديد دعوتها الى اجراء تحقيق كامل.. لكن دون جدوى. فقيادة القوات الاميركية ترفض التحقيق والأمم المتحدة تخشى اغضاب واشنطن في محاولة لتبرئة نفسها من المشاركة الجنائية في اعدام ألف افغاني خنقا تقول وزارة الدفاع الاميركية انه لا علم لها بالجريمة. لكن اذا افترضنا ان واشنطن صادقة في دعواها فلماذا ترفض وتمنع اجراء تحقيق.. بل وتصر على هذا الرفض والمنع؟ ان منظمات حقوق الانسان تقول ان هناك شهودا من المواطنين الافغان يمكن ان تكشف شهاداتهم اذا جرى تحقيق عن خبايا هذه الجريمة البشعة وتسمية العناصر المتورطة فيها سواء مباشرة او بالشراكة الاجرامية او التستر لكن هؤلاء الشهود ـ تقول منظمات حقوق الانسان ـ يخشون على حياتهم. ويبدو ان كبار المسئولين في الامم المتحدة العاملين في افغانستان باتوا على قناعة بأن لا احد من الشهود المحتملين سوف يخاطر بحياته بمن في ذلك موظفو الامم المتحدة انفسهم وعمال وكالات الاغاثة الخاصة. فأغلب الظن ان القوات الاميركية عازمة على انهاء حياة كل من يجرؤ للادلاء بشهادة امام لجنة تحقيق دولية ـ هذا اذا سمحت واشنطن اصلا باجراء التحقيق. في هذه الاثناء يقبع في زنزانات معسكر غوانتانامو نحو 550 معتقلا من عرب ومسلمين ورغم ان هؤلاء لا يعرفون مصيرهم، اذ لم توجه اليهم اي اتهامات قانونية، فانهم ينبغي ان يعتبروا انفسهم محظوظين بالمقارنة مع ما آل اليه مصير «اصحاب الحاويات». هذه هي نتيجة الحرب الاميركية على «الارهاب»: ان تتحول الادارة الاميركية نفسها بقوتها العسكرية والامنية وأجهزتها الى آلة ارهابية عملاقة تمارس نشاطها على مستوى عالمي على غرار عصابات الجريمة المنظمة بوسائل القتل الجماعي والاعتقال الجماعي دون محاكمة او حتى توجيه اتهام.