(العرب لا حول لهم ولا قوة في وقف أي ضربة عسكرية أميركية ضد العراق، وما يقال عن الرفض العربي للضربة الأميركية لا يعجبني لأننا كدول لا حول لنا ولا قوة للأسف لوقف الضربة). هكذا.. بحسم ووضوح، أجمل الشيخ حمد بن جاسم وزير الخارجية القطري رأيه في الموقف بعد زيارة للعراق قال انه قدم فيها النصح للقادة العراقيين لتجنيب المنطقة والعراق مخاطر العمل العسكري الأميركي المرتقب. والنصح مطلوب، والنصيحة غالية، ولكن ما يثيره المسئول العربي لا يمكن أن يكون فصل الخطاب في الموقف العربي، والا فعلينا ان نقرأ الفاتحة على روح الأمة ونسارع باقامة سرادقات العزاء. النصح مطلوب - والنصيحة غالية - وقد سبق أن طرحها المسئول العربي فيما يخص المأساة التي يعيشها شعبنا العربي على أرض فلسطين، فكانت نصيحته هي ان (نتوسل) لأميركا أو (نتسول) الحل منها. وقد فعل البعض منا ذلك والنتيجة واضحة هي تصاعد حرب الابادة التي تشنها اسرائيل على شعب فلسطين بمباركة واشنطن وتأييد الادارة الاميركية ومشاركة طائرات الفانتوم الاميركية في سحق الاطفال الفلسطينيين. تساؤلات ينبغي مواجهتها وبعد مرحلة التوسل أو التسول تجيء الآن مرحلة (لا حول ولا قوة) أي اعلان العجز الشامل الكامل عن وقف العدوان على فلسطين أو العراق أو أي جزء من الوطن العربي. وهو موقف لابد أن يثير العديد من الاسئلة التي ينبغي مواجهتها في هذه المرحلة الحاسمة: - فإذا كان العرب (لا حول لهم ولا قوة).. فمن المسئول عن ذلك، وأي مشروعية تبقى النظام العربي؟ أم أن المطلوب هو نزع ما تبقى من شرعية تمهيدا للمرحلة الثانية من مخطط اعادة رسم خريطة المنطقة كما تريدها واشنطن؟ - وإذا كان العرب (لا حول لهم ولا قوة) في وقف حرب الابادة لشعب فلسطين ولا في منع التدمير الأميركي الكامل المرتقب للعراق، فأي جدوى لعقود من الصداقة بين النظم العربية والولايات المتحدة الأميركية، قدمت فيها هذه النظم كل شيء.. أمنت البترول لأميركا والعالم بثمن مناسب لهم، ووضعت أرصدتها في بنوكهم، ووضعت أرضها ومياهها واجواءها في خدمتهم؟ - وإذا كان العرب (لا حول ولا قوة) واذا كان مستقبل منطقة الخليج مخيفاً سواء بالضربة الأميركية أو بدونها كما يضيف المسئول العربي.. فإن السؤال هو: وما جدوى الوجود الأميركي في المنطقة التي قيل انه لحمايتها؟ وهل المستقبل (المخيف) بسبب (الحليف) وضرباته المتوقعة.. أم بسبب (الاعداء) الحقيقيين أم الوهميين؟ أم بسبب السياسات الخاطئة التي عجزت عن ضمان أمن المنطقة واستقرارها؟ إن التسليم بالعجز هو اعلان بالاستقالة.. أو هكذا ينبغي ان يكون، والعرب لم يستقيلوا من الحياة - ولم يتخلوا عن ارادة المقاومة رغم كل حملات الترويع والتخويف الأميركية. ورغم المخططات المعلنة أو السرية للهيمنة الأميركية الاسرائيلية على المنطقة. ولعل هذا هو ما يثير جنون اليمين الأميركي المسيطر على سياسة واشنطن، وما يجعل الحملة الصهيونية الاميركية حتى على اقرب حلفاء واشنطن تتصاعد.. وما كانت هذه الحملة على مصر والسعودية بالذات تتصاعد بهذا الجنون وهذه الحماقة والغطرسة لو ان العرب حقيقة (لا حول لهم ولا قوة). إن أحدا لا يمكن ان يتهم مصر أو السعودية بالسعي لمحاربة أميركا، ولكن الدولتين المحوريتين في المنطقة تدركان حجم المخاطر التي يتعرض لها العالم العربي كله بسبب السياسات الحمقاء المتغطرسة التي يقودها اليمين الاميركي الى صدام مروع مع العالم العربي والاسلامي، بل ومع العالم اجمع بعد ان تم تطوير نظرية اليمين الاميركي عن صراع الحضارات التي بشر بها هنتنجتون لتصبح صراعا بين أميركا وبين العالم الذي يكره أميركا ويحسدها! إن الحملة الأميركية على مصر والسعودية تتصاعد وستتصاعد أكثر في الأيام المقبلة. فإخضاع النظامين للإدارة الأميركية بلا قيد أو شرط ضروري لوضع الخريطة الجديدة للمنطقة موضع التنفيذ. وفي المقابل فإن النظامين يعرفان التكلفة العالية لرضوخهما للسياسة الأميركية الحالية، ويدركان ان ضرب العراق لن يكون كلمة النهاية في المخططات الأميركية ويقرآن جيدا معنى ان يتضمن تقرير اميركي لمؤسسة (راند) ثم بحثه في وزارة الدفاع الاميركية ما يؤكد على ان (الاستراتيجية الاميركية ينبغي ان تركز على العراق باعتباره البؤرة التكتيكية، والسعودية باعتبارها البؤرة الاستراتيجية، ومصر باعتبارها الجائزة)!! إن ما فعلته أميركا مع السلطة الفلسطينية يجري تعميمه ليصبح السياسة الرسمية مع الأنظمة العربية كلها. فالمقاومة المشروعة تحولت الى ارهاب، والسلطة اصبحت مطالبة باعادة التأهيل لتستحق ان تكون طرفا في اتفاقات سيتم فرضها وتكون في حقيقتها تصفية للحقوق الفلسطينية المشروعة تحت لافتة هي (الدولة الفلسطينية) التي لا تعرف لها حدود ولا تكون لها صلاحيات ويكون ثمنها التخلي عن القدس وحق العودة. الآن تكتشف واشنطن ان النظامين المصري والسعودي لا يريدان المشاركة في ضرب العراق، ولا يوافقان على وضع سوريا ولبنان وليبيا كأهداف مقبلة للضربات الاميركية في (الحرب المقدسة) التي اعلنها الرئيس الأميركي بعد أحداث 11 سبتمبر، ولا يقران بأن حزب الله ومنظمات المقاومة الفسطينية هي منظمات ارهابية، ومن هنا حقت اللعنة الأميركية وبدأت الحملات تتصاعد يوما بعد يوم.. فقد اكتشفت واشنطن فجأة غياب الديمقراطية في مصر والسعودية، وانتشار الفساد، وبدأ الحديث عن الحلفاء الذين تحولوا الى اعداء! انها نفس اللعبة القذرة التي تجري مع السلطة الفلسطينية. فلا أحد ينكر حاجة السلطة الى (الاصلاح) ولكن الاصلاح الذي تحتاجه الجماهير الفلسطينية هو غير الاصلاح الذي تريده اميركا ويسعى شارون لفرضه. الاصلاح الفلسطيني المطلوب هو ترسيخ للديمقراطية والقضاء على الفساد من أجل دعم المقاومة لانهاء الاحتلال، والاصلاح الأميركي الاسرائيلي المطلوب هو انشاء اجهزة امنية قادرة على التصدي لمنظمات المقاومة وتوفير الامن لاسرائيل وتمرير الاتفاقات المجحفة التي سيتم فرضها في التسوية الاميركية. نفس الشئ يجري طرحه في التعامل مع مصر والسعودية فلا شك انهما مع كل الدول العربية في حاجة لاصلاحات عديدة تدعم الديمقراطية وتحارب الفساد وتعد المجتمعات العربية للتعامل مع عالم جديد يفرض العديد من التحديات. لكن هذا ليس المطلوب أميركيا. وانما المطلوب ان تبصم الحكومات على ضرب العراق وتصفية القضية الفلسطينية، وان تقر بالاصلاحات المطلوبة والتي تستهدف اخضاع هذه المجتمعات للمفاهيم الاميركية واعدادها للتطبيع مع اسرائيل، ووضعها تحت السيطرة الاقتصادية والسياسية والثقافية للتحالف الأميركي الصهيوني. هجوم اميركي على مختلف الجبهات وفي هذا الاطار فإن الحملة العسكرية في فلسطين والعراق - والحملة السياسية على مصر والسعودية، تترافقان مع الاعلان عن برنامج واسع لغزو المجتمعات العربية يستهدف - كما صرح مسئول أميركي كبير - اصلاح وتطوير المؤسسات التعليمية والاقتصادية والسياسية في المنطقة، ويشمل البرنامج دورات تدريبية لمن تسميهم واشنطن (النشطاء الديمقراطيين) الى جانب السياسيين والصحفيين والنقابيين بهدف اعدادهم لبناء تنظيمات شعبية ونقابية واحياء المجتمع المدني وتهيئة الدول العربية لاستقبال منافع العولمة! والهجوم كاسح، وهو يحاول ارباك العرب وتشتيت جهودهم، وتثبيت الصورة القبيحة التي يرسمها لهم الاعلام الأميركي الصهيوني باعتبارهم قوما متخلفين متعصبين متعطشين للدماء غير مؤهلين للتعامل مع العالم المتحضر. يملكون المال فيبددونه، ويسعون لتدمير العالم لانهم يعتنقون ثقافة تؤدي الى التخلف ودينا يحض على العنف. ومع ذلك فإن عنف الهجوم الأميركي على مختلف الجبهات يحمل في ثناياه دليل ادانته وعوامل ضعفه. - انه يكشف ان أميركا تقف وحيدة في العالم، وانه حتى أقرب حلفائها لا يستطيعون مجاراتها في هذه السياسة العدوانية الحمقاء. واذا كانت حكومة بلير في بريطانيا قد كشفت خلافها مع هذه السياسات وهي التابع الأمين لواشنطن، فإن باقي أوروبا يضع التحفظات، وألمانيا تعلن معارضتها، وروسيا والصين تقاومان الضغوط الاميركية وترفضان سياسة الاملاء التي تتبعها والتي حدت بواشنطن ان تعلن انها ماضية وحدها في العدوان على العراق. - ان عنف الهجوم الأميركي يعكس المرارة التي تشعر بها الادارة الأميركية تجاه تصاعد موجات الكراهية لها في العالم العربي والتي تحاول ان تردها الى التعصب الديني أو التخلف الثقافي، وهي تدرك جيدا ان هذا غير صحيح وان العداء هو لسياساتها المؤيدة لاسرائيل ولعدوانها على الحقوق العربية ولمحاولات الهيمنة التي تريد بها أميركا ان تمارس دور الامبراطورية الوحيدة في العالم وان تحافظ على رداء ديمقراطي مزيف.. وهي مهمة مستحيلة! - إن عنف الهجوم الأميركي يعكس ازمة المصداقية التي تواجهها كل دعاواها.. فكل حديث عن صداقة بينها وبين العرب اصبح زائفا بعد الدعم اللامحدود لحرب الابادة التي يشنها شارون على الشعب الفلسطيني، وبعد الاصرار على تدمير العراق، وبعد التهديدات التي تنال حتى اقرب الحلفاء لواشنطن وكل حديث عن دعم الديمقراطية يفضحه تاريخ طويل لواشنطن في ضرب هذه الديمقراطية اذا ارتبطت بتحرر الشعوب وفي مساندة أعتى النظم الديكتاتورية اذا كان هذا يحقق لها مصالحها.. ومن تدبير الانقلاب على حكومة مصدق في ايران قبل نصف قرن، الى التآمر على مصر عبدالناصر في 67، الى المجازر التي شهدتها اندونيسيا عند الاطاحة بسوكارنو، الى المذابح عند الانقلاب على حكم الليندي في شيلي. ومن دعم بينوشيه وغيره من السفاحين في جمهوريات الموز في أميركا اللاتينية، الى التحالف مع موبوتو وسوهارتو وباقي السفاحين الافارقة والاسيويين، الى جريمة العصر التي ترتكبها مع النازيين الجدد على أرض فلسطين الشهيدة! - ان عنف الهجوم الأميركي يكشف حجم الورطة التي ستجد فيها أميركا نفسها اذا قامت بعدوانها غير المبرر على العراق، وحجم الجرح الذي ستضع فيه بعض اصدقائها في المنطقة حين تنطلق طائراتها من قواعد في دول عربية واسلامية لكي تدمر كل شئ في العراق حتى لو قبل رجوع المفتشين التابعين للأمم المتحدة للتأكد من خلوه من أسلحة الدمار الشامل التي تتكدس في ترسانة الأسلحة الاسرائيلية وبتدعيم أميركا وتمويلها ومساعدتها! - ثم.. ان عنف الهجوم الاميركي يكشف خطأ الادعاء بأننا أمة بلا حول ولا قوة فلو كنا كذلك لما اهتمت واشنطن بمعارضتنا لسياساتها، ولكنها تدرك ان حرمانها من الغطاء العربي والاسلامي الذي تمتعت به في حرب تحرير الكويت أو في الحرب ضد افغانستان سيكشف جريمتها. وهي تدرك ايضا ان عدوانا تقوم به ضد العراق في ظل معارضة مصر والسعودية وسوريا سوف يكون ثمنه باهظا للغاية. والمهم هنا الا تختلط الأوراق كما تريد واشنطن، وان تظل الفواصل واضحة بين أمرين.. أولهما اننا نحتاج - في العالم العربي كله - الى اصلاحات واسعة لبناء النهضة المطلوبة على قواعد راسخة من الحريات والعدل والعلم والمعرفة ومحاربة الفساد بكل اشكاله والسعي للوحدة العربية التي لا بديل عنها في عصر التكتلات. وثانيهما ان هذا الاصلاح لا ينبغي ان يتم بإرادة أميركا ولا لأهداف صهيونية، وانما بأيدينا نحن، ولمصلحتنا نحن، وبدون ان نتحول الى عملاء في مدرسة المخابرات الاميركية. وان الطريق الى هذا الاصلاح لا يكون بتدمير العراق ولا بإبادة الفلسطينيين، ولا بتقسيم السودان، ولا بتهديد سوريا ومصر والسعودية، وانما بالوقوف في وجه كل هذا المخطط الذي لا يستهدف الا تركيع العرب واستسلامهم الكامل للتحالف الصهيوني الأميركي الاسرائيلي الذي يطلب أمرا واحدا.. أمة عربية لا حول لها ولا قوة!! ـ نائب رئيس تحرير «اخبار اليوم» المصرية