مما أثر عن العرب قولهم: «ان الضربات التي لا تقصم الظهر تقويه»، وقد اكدت الوقائع المختلفة والتجارب الانسانية العديدة هذا المعنى الرائع، واضفت عليه من الجمال والجلال ما جعل النفوس المتألمة تتروح لنسائم الامل كلما سمعت هذا القول المأثور، او تردد صدى كلماته في اعماق نفس حزينة، او مكلومة، نابها من الدهر ما جلب لها الالم، واتاها من الخطوب ما حفر عميقاً في وجدانها واحساسها العام بالحياة من حولها. وعبر القرون الطويلة رسمت التجارب البشرية مع الازمات خطاً بيانياً لا يتعدى مضمون الرسالة التي اودعها القول المأثور في ذاكرة الزمن. فاما ان يرتفع الخط البياني في اتجاه تحسين قدرات الفرد، وتقوية خطوطه الدفاعية، واما ان ينخفض الخط البياني في اتجاه المزيد من الضعف، والعجز عن مواجهة الازمة والخروج منها. ان صاحب الهمة العالية سرعان ما يعود اليه توازنه النفسي، بعد ان يقوم بعملية حصر وتقييم للنتائج المترتبة على الواقع الجديد، والآثار الناتجة عنه، ليتولى في خطوة تالية امر تصليح تلك الثقوب والفجوات التي تسبب فيها حدث مؤلم، او ظرف عصيب. واذا ما بحثنا في سجل ذلك الانسان الصلب، ووقفنا على خبراته السابقة في مجال التعامل مع احداث الحياة المختلفة فلسوف نصل الى نتيجة تؤكد نضج تلك الشخصية، وقدرتها على التكيف مع الاحداث، وايمانها أن الوقوف امام البحر والتحديق فيه لن يحرك الانسان خطوة واحدة الى الامام. كما ان الهروب من مواجهة الحدث يدل على اعلان الهزيمة امام المشكلة التي اطلت برأسها، واحتلت ـ رغما عن الفرد ـ حيزاً من تفكيره ومشاعره، ووقته، وولجت عالمه الخاص بدون اذن منه او انتظار لها!! وما لم تكن هناك خطة مواجهة للظرف الطاريء الجديد فان الامور ستزداد سوءاً، والمشكلة سوف تتفاقم وتصعب على الحل. ان الاشخاص الاقوياء يتميزون بالقدرة على التصرف السريع، وتغليب الجانب العملي في مختلف ردود افعالهم. انهم اشخاص يراهنون على قدراتهم الذاتية في مواجهة الازمات، ولا يقبلون ابداً بان يسحب البساط من تحت اقدامهم، او يعلنون عجزهم عن النهوض من جديد، ومعاودة الكرة مرة تالية. ان المراهنة على الوقت، وعلى حسن التصرف، واستلام المبادرة من اجل الوفاء بالمسئوليات والالتزامات هي امور في حكم المسلمات بالنسبة للاشخاص الذين يتمتعون بقدرة عالية على التكيف، وعلى ضبط النفس، والشجاعة في مواجهة المحن. بل ان النفوس الكبيرة لتعتقد جازمة بأن الشجاعة الحقيقية لا تظهر الا في وقت الشدة، وان المرء لا يكتشف طاقته الحقيقية الا حين تصبح على المحك، حينها يظهر المعدن النفيس، وتتجلى النفس المشرقة بالصفات الكريمة. وكأن فلسفة التعامل مع التحديات والمواجهات الصعبة التي تعترض الانسان، تفهم لدى ذلك الشخص القوي النفس وكأنها ميدان اختبار تتحدد نتيجته النهائية بحسب الاستعداد له والتعامل معه. فالعاقل يفهم ان الحياة ليست صفوا كلها، بل هي كما قال عنها الشاعر: جبلت على كدر وانت تريدها صفوا من الآلام والاكدار ومكلف الايام عكس طباعها مستوقدا في الماء جذوة نار حقا ان الايام دول، والاحداث لا تبقى على وتيرة واحدة، كما ان المياه الراكدة هي التي تأسن سريعاً وتصبح معطلة عن الارواء وانبات الزرع!! ان قدراً من الالم قد يساهم في تجديد الشعور بالحياة، وتوثيق العهد القديم مع النجاح، وشحذ الهمة لمزيد من العمل الفعّال. والذين يفهمون سنة الحياة يعلمون ان المنحة قد تخرج من قلب المحنة، وان الجسد الضعيف قد يقوى من جديد بعد طول معاناة مع المرض. كما انهم على ثقة من ان اشد ساعات الليل حلكة ما قبل الفجر بساعة. اين هذا المنطق المفعم بالرجاء، من منطق ذلك العبوس الذي رمى بأخطائه على الزمن، ثم بكى على حظه العاثر، حتى لامه ذلك الشاعر العربي، وكان حقا له ان يلام، وخاطبه موبخاً معنفا: افنيت يا مسكين عمرك بالتأوه والحزن وقعدت مكتوف اليدين تقول حاربني الزمن ما لم تقم بالعبء انت فمن يقوم به اذن كم قلت: امراض البلاد وانت من امراضها والشؤم علتها فهل فتشت عن اعراضها؟