حينَ تهبط الأردن، تُمسك بيديك أحد مفاصل الأزمة العربية أكثر من أي بلد آخر. هنا أنت تمشي بمحاذاة العدو على أطول حدود مشتركة. في الأردن، أن تسير على حافة الوطن، ذلك مشوار له نكهة خاصة، فالمشي على حدود الأردن يعني الوقوف على السكين. هذه الأسلاك الشائكة مغروزة في جسد الوطن على شريط ملغوم منه تفضح عجز الأمة المزمن. المشي على الحدود الأردنية يفتح دماغك على حافة الجغرافيا والتاريخ العربيين المعاصرين. التجوّل في شوارع عمّان يستنفر ذاكرتك ومشاعرك تجاه نصف المأساة المعلقة على امتداد ما بين النهرين. كلما تتوغل في الشارع الأردني وفي الزمن، كلما اقتربت من الحزن العراقي. الضغط المتراكم من الشرق والغرب يزيد أعباء هذا الوطن الصغير، لكنه يزيد في الوقت نفسه الوهج القومي لدى هذا الشعب الصبور ويفتح منابت وعيه على نحو أعمق وأبعد. عندما تعبر الأردن من أم قيس في أقصى الشمال الأردني إلى العقبة في الجنوب ترى أمام عينيك زخم الثراء السياحي المكثف على رقعة الجغرافيا والمترامي داخل مسار التاريخ العميق، فأنت أمام مزارات لا حصر لها من أهل الكهف إلى «أهل الملك» مروراً بالعديد من آثار الأنبياء وشواهد الحضارات المتعاقبة على المنطقة بلا استثناء. البتراء الأعجوبة الثامنة. كل المبشّرين والمحاربين أصحاب الدعوات مروا من هنا. معظم الغزاة الطغاة والتجار عبروا كذلك. غير أن هذا الثراء يبقى مهملاً ومعطلاً في ظل انعكاسات الملهاة خلف الحدود الملغومة ونصف المأساة العالقة بين الرافدين. البوار السياحي يشكّل فصلاً عريضاً في الأزمة الأردنية الطاحنة. لو أن المسألة رهينة قدرات ذاتية لاخترق الأردنيون حاجز الصوت زرافات ووحدانا فهذا شعب مسنود بنسبة تعليم عالية ـ إن لم تكن هي الأعلى ـ في المنطقة. لكن حلقات الأزمة أكثر تعقيداً وثقلاً وضيقاً على بلد محدود الامكانات. أدخنة الحرب تخنق السياحة تلك عقدة أزلية. لكن المجتمع الأردني ليس لوحة مثالية. مثل غيره من المجتمعات الشرقية يعجّ الأردن بتناقضات طاحنة رغم صغره. فهذا البلد الصغير لم ينج من عقدة الشمال والجنوب التي تقصم أقطاراً كبيرة وعديدة من اليمن إلى الجزائر. كما أنه لم يسلم من التناحرات القبلية والانتماءات العشائرية، ثمة مسافة طويلة من التباين الاجتماعي الذي يبدأ ببيت من الشعر وكأنه خارج العصر إلى ذلك الغيتو الفلسطيني من الفيلات البالغة الفخامة والترف على كتف عمّان غير معترفة بالضائقة وغير مستسلمة لأزمة. هذا الغيتو الحديث لا يمد لسانه إلى بيوت الشعر المتناثرة في الكرك وإنما يهزأ من المجتمعات المسكونة بالحزن خلف الأسوار الملغومة. هذه الازدواجية العصرية تشكّل عقدة عصيّة على الانتلجنسيا الأردنية التي رغم حداثتها الفكرية تظل عاجزة عن بناء مؤسسات وأطر حزبية لها القدرة على الاستقطاب الحقيقي لجهة تفكيك عُقدها الاجتماعية والاقتصادية. فرغم وجود أحزاب متعددة وانتخابات وبرلمان، إلا أنك لا تشعر بتغلغل هذه الأحزاب باستثناء واحد في البنية الاجتماعية الأردنية. ربما يضيف وجود الأردن على حافة الوطن هامش المناورة السياسية أمام القيادات وربما هم في النهاية كلهم رجال الملك باعتبار أن مؤسسة الملك أكثر نفوذاً من المؤسسات الحزبية. الأردنيون متفتحون. من بين ثمانية رؤساء حكومات متقاعدين لدي علاقات حميمة مع أربعة حملتني إلى منازل ثلاثة منهم سابقاً. ربما أستطيع في هذه الزيارة استكمال القائمة. هذا العدد من رؤساء الحكومات السابقين في حد ذاته يمثل ظاهرة جديرة بالتأمل فهو يتجاوز مثله في أية عاصمة عربية أخرى. عمّان مدينة مسكونة بالسياسة، لكن هذا لا يبرر كونها مدينة لا تجيد صناعة الليل.