في أول صباح مدرسي تختلط المواعيد وتتعطل دورة النوم في حياة التلاميذ، حيث لا يعود هناك مجال لنوم الضحى ولا لصحوة الظهيرة ولا احد يتذمر اكثر من الامهات اللواتي يبدأن نشيد الاوامر منذ الليل وهن يصرخن بالاولاد «اذهبوا للنوم، بكرا مدرسة». فتسقط هذه الجملة على مسامع الابناء سقوطا مدويا، لانهم اعتادوا السهر لمشاهدة الافلام التي تبث في ساعة متأخرة من الليل، فيمضون الى اسرتهم متثاقلين لا يشعرون بالنعاس فتراهم يتقلبون فيها يعدون الخراف التي تعبر الجسر او العصافير التي تطير مستجلبين النوم، لكنهم لا يشعرون بثقل الجفون فينهضون تباعا، مرة لارتياد الحمام واخرى لشرب الماء، وثالثة لتذكير الامهات بكي ثياب المدرسة وتلميع الاحذية، غير ان الامهات يؤكدن ان الثياب جديدة وكذلك الاحذية لا تحتاج الى تلميع. في أول صباح مدرسي ستتأخر الحافلات وسينتظر التلاميذ طويلا قبل العودة ثانية الى البيت لان الحافلة لم تأت وسيطلبون من الأم توصيلهم الى المدرسة، وهنا ستطلب الأم من الاب ان يفعل ذلك، فيتكوم الابناء في المقعد الخلفي ولن يجدوا حرجا من دعوة زملائهم لتوصيلهم وهم سعداء بهذه الرفقة، وسيقف الاب طويلا مع فريق اولياء الامور امام غرفة المديرة التي لا تجد متسعا من الوقت للرد على اسئلة الاولياء فهي مشغولة بمراجعة البرنامج الذي لم يستقر بعد، وستحيل الامر الى المشرفة التي ستكون مشغولة بتبادل القبل مع مدرسات حضرن تواً من السفر مستعرضات بعض حللهن الجديدة، ولن تتوانى عن ارسال اولياء الامور الى السائقين للتفاهم معهم حول مواعيد الحافلات واماكن تجمع التلاميذ وبين هذا وذاك ستتطوع احدى المدرسات للقول بصوت مرتفع «ممنوع دخول الرجال» فيسقط في يد الاب الذي تمنى لو ان الام جاءت معه لكانت الامور اكثر يسرا وسهولة. مطلع العام الدراسي يعني دورة حياة جديدة في عالم الابناء والآباء لكن الامر لن يكون بتلك الحلاوة المأمولة حينما يذهب الطفل الى المدرسة لاول مرة سعيدا بزيه الجديد حينما يتركه الاهل في رعاية المعلمة فتراه يقرر العودة الى البيت مع والده الذي يتحايل عليه ليبقى في هذا الصرح العلمي حيث الاصدقاء والالعاب والاناشيد و «اللانش بوكس» الا ان الصغير ستنتهي متعته حين تضمه المعلمة الى الطابور ويرى والده يغادر المدرسة وكأنه لن يراه مرة اخرى وسترقرق دمعتان كبيرتان في عينيه يطول جريانهما بطيلة الوقت الذي يمضيه في الفصل. في أول صباح مدرسي ستتحول الشوارع الى خلية ازدحام لا تنفع معها شرطة مرور ولا تنظيم سير فالسيارات الصغيرة ستزاحم الحافلات للوقوف كيفما اتفق في عرض الشارع وستسد الحافلات مداخل الشوارع الفرعية، وسيعبر التلاميذ الى الجهة المقابلة عبورا عشوائيا وهم يتراكضون او يطاردون بعضهم البعض وربما ستفوتهم الحافلات في غمرة الابتعاد عن اماكن تجمع زملائهم وعندها لن يجدوا مفرا من العودة الى البيت لان الحافلة لم تأت.. نعم هكذا سيدعون وعليه سيذهب الأب الى المدرسة ليقف امام غرفة ادارية تفوح منها روائح عطرة ولكنها محظورة على الرجال. وهذا يعني ايضا تأخره عن العمل، وعلى ذكر التأخير يمكن القول ان ثلاثة ارباع الموظفين سيتأخرون هذا اليوم للاسباب الانفة ذكرها ويمكن ان نضيف اليها عجقة السير التي ستحول ساعات الصباح الاولى الى جحيم لابد من عبوره للوصول الى العمل، ويعني ايضا اضطرابا في مواعيد الغداء وخللا في مواعيد النوم وكسلا في الاستيقاظ صباحا وشعورا عظيما بالوهن لن تنفع معه كل منشطات القهوة والشاي، لان الحياة بدأت دورة جديدة اسمها «صباح المدرسة».