اعتقدت لبرهة من الوقت ان الساسة والزعماء يديرون العالم بالسحر، لكن تراجعت، فالسحر نوع من انواع الكذب والاحتيال، والسياسيون افضل من يصنع الكذب وافضل من يسبكه، فلماذا يلجأون للسحر ماداموا يملكون سلاحا اكثر تأثيرا منه! لقد اثار خبر تناقلته وكالات الانباء استغراب الكثيرين، وكان حول اعتزال وتقاعد النيوزيلندي أيان براكينبري من اغرب وظيفة حكومية من نوعها وهي «الساحر الرسمي» لنيوزيلندا! وتعتبر تلك الوظيفة من اغرب المواقف التي يمكن اتخاذها على المستوى الحكومي في نيوزيلندا، وتؤهل صاحبها بالتمتع بمميزات غير متاحة لقطاع كبير من الوظائف. واذا كانت نيوزيلندا تعترف رسميا بهذا الامر وتخصص وظيفة حكومية له، فإن رؤساء دول وسياسيين كباراً في الولايات المتحدة واوروبا يكاد لا يتحركون الا بعد استشارة تنجيمية.. لقد بحثت عن ساحر اميركا الذي يلجأ له الرئيس الاميركي الحالي بوش فلم اجد سوى الاعلام الذي هو سحر اميركي بلا شك بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يصنعه المتنفذون واغلبهم يهود.. يحترفون الكذب ويعملون على تمريره على انه حقائق صادقة وبجميع لغات العالم.. ومن تلك الاكاذيب التي تمر وتزدهر وتلقى رواجا لغة الدجل والتنجيم. المثير ان تلك اللغة تنتشر في مجتمع غربي يغلب لغة العقل والبحث والحقائق الملموسة على الظواهر والاعتقادات التي لا تستند الى ادلة عملية، فاذا كان هذا هو حال المتعلمين فما بالك بأولئك الاميين المساكين! اعود الى نيوزيلندا التي تبحث عن ساحر جديد فأشير الى ان قادة دول قبلها عينوا سحرة، وتأتي الولايات المتحدة الاميركية على رأس تلك الدول، فلم تخل فترة الرئيس الاميركي الاسبق رونالد ريغان من ذلك الامر اذ عين عند توليه الرئاسة في العام 1981 ثلاثة منجمين ضمن مستشاريه الرسميين، وبعده استسلم بوش الاب للخرافة فهو لم يقرأ منذ توليه الرئاسة كتابا الا في الخرافة، ومثله كان الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران الذي كان يعتمد على قارئة كف يستشيرها ويسمع نصائحها.. وعلى شاكلة هؤلاء كثيرون بينهم الرئيس الاندونيسي الاسبق سوهارتو والرئيس الروسي السابق يلتسين وغيرهما.. المثير ان عاصمة النور باريس تشهد كل عام وبشكل دوري تنظيم اسبوع التنجيم الذي يعكف على حضوره عشرات الالاف من الفرنسيين حيث ينفقون مبالغ كبيرة لكل فئات المنجمين من قراءة الكف والودع والورق والحظ والفنجان، واصبحت الصحف تعج باعلانات مثيرة لمنجمين يعلنون على حل جميع المشاكل المالية والصحية والعاطفية! ولا تقف الحكاية هنا بل تتعداها في كوريا الجنوبية اذ تتراوح تنبؤات العرافين بين توقعات عادية الى اخرى مثيرة كموت ابن لادن في 11 سبتمبر المقبل، لكن ما يمكن التنبؤ به بدرجة كبيرة من الثقة هو ان سوق العرافين الذي يبلغ حجم اعماله نحو مليار ونصف المليار دولار سيزدهر بشكل كبير.. فالكوريون يعتمدون على صناعة التنجيم وقراءة الطالع اذ تزدهر مقاه خاصة تعرف بمقاهي الطالع على وزن مقاهي الانترنت حيث يتمكن مرتادوها من احتساء القهوة في حين يقرأ لهم العرافون اوراق الشاي اوالكف او العيون. ويستخدم هؤلاء التكنولوجيا الحديثة في عرض طقوسهم القديمة ويشيرون الى ان المتغيرات التي يشهدها العالم دفعت الناس الذين لا يشعرون بالامان الى الاستعانة بهم، فهؤلاء لا يعرفون شيئا عن مستقبلهم ويسعون لمعرفة المسارات المحتملة! وقد اعطت سهولة الدخول الى الانترنت، هؤلاء بعدا جديدا لعرض نشاطهم، فأصبح لهؤلاء المنجمين مواقعهم الخاصة وزبائنهم الذين يعتمدون على السرية والخصوصية ومن بين اولئك ساسة يرسلون اسئلتهم سرا مع موظفين لمعرفة ما اذ كانت مساندة فصيل معين هي الخطوة الصحيحة او ما اذا كان يتعين خوض الانتخابات المقبلة، ومن بين اولئك ايضا رجال اعمال يرغبون في معرفة اوضاع السوق واتجاهات أسعار الاسهم والنفط.. اما في اليابان فقد تحولت قراءة الطالع الى نوع من الاستثمار واستخدمت لذلك اساليب متنوعة لكن الوسيلة الاحدث على الاطلاق والتي تلقى اقبالا منقطع النظير من السيدات والفتيات تسمى قراءة النفس على وزن قراءة الكف! وعادة ما تلجأ النساء لقراءة الطالع للتوصل الى حلول لمشكلاتهن العاطفية او لمشكلات تتعلق بالعمل ، الا ان الامر لم يتوقف على النساء فحسب بل وصل الى الساسة ورجال الاعمال كذلك. يبدو ان الانسان هو الانسان جاهلا كان او متعلما، ضعيفا او قويا، فقيرا او غنيا يمر بحالات ضعف وانكسار، تصل حد الرثاء والشفقة.. البعض يرفض في البداية ذلك ثم يدفعه الفضول للتجربة ليجد نفسه قد دخل تلك الدائرة وتساوى فيها مع الجاهل. انها اللعبة اللذيذة، الخطيرة، المرسومة بدقة، والا فما معنى استشراء ظاهرة الدجالين الذين يدعون مضاعفة الاموال ومعالجة الامراض المستعصية والتفريق بين الاشخاص والتقريب بينهم. علينا ان ننتظر فربما يخرج احدهم فيشير الى ان ما قام به بوش سابقا وما يقوم به حاليا من جراء ابراج الحظ والنحس، وربما تدخل احداث 11 سبتمبر ضمن ابراج الموت، ففي عالم اليوم تموت الحقيقة لتعيش الخرافة!