منذ عام كامل واقلام بعينها تطغى على تعليقات الصحافة الاميركية حتى تلفت الانظار بعيداً عن اسرائيل. قامت تلك الاقلام، بادارة حملات اعلامية عديدة، بثت فيها مختلف الشائعات والأوهام والاتهامات التي استهدفت دولاً عربية على رأسها المملكة العربية السعودية ومصر والعراق والسودان، ولا شك ان المملكة العربية السعودية كانت المستهدف الاكبر بحملات الصحف الاميركية، ولم يكن ذلك عرضاً او عبثاً وانما تم اختيار السعودية بغرض الايحاء للرأي العام الأميركي بعكس ما يمكن ان يستنتجه عفوياً من أحداث الحادي عشر من سبتمبر وعلاقة اسرائيل المباشرة او غير المباشرة بها، المطلوب هنا هو الايحاء لمن يهمهم الامر بالمسئولية غير المباشرة لطرف آخر هو بريء بالتأكيد ولكنه مدان بسبب من تواتر الطرف الاعلامي الظالم عليه. وهكذا فما كاد ان ينجلي غبار الزوبعة الاعلامية الهائلة التي فجرها تقرير مؤسسة «راند» للدراسات والمعلومات الذي قام بتأثيم السعودية، ودعا لتجميد ارصدتها المالية، حتى انفجرت على التو زوبعة اعتى تولت كبرها ذات الاقلام الاعلامية المتربصة التي اخرجت مسرحية مطالبة اسر ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر بتعويضات اسطورية، تقدر بحوالي ثلاثة تريليونات دولار اميركي، تؤخذ من السعودية والسودان! ما هو الهدف الحقيقي؟ لا تهدف اي من الحملتين الاخيرتين بالفعل الى تنفيذ ما جرت المطالبة به فهو مستحيل التحقيق، ولكن مجرد اثارة ذلك الغبار الاعلامي الكثيف قد ادت شيئاً من الغرض النفسي المقصود، وهو اصدار احكام الادانة على الدول العربية بما يضمن براءة اسرائيل وبما يهيئ الاجواء مستقبلاً لأي اجراء عسكري يتخذ بشأن العراق. ليس في موضوع العراق اي تطور جديد اذ لم يكن له اي ضلع في شأن احداث سبتمبر ولا التداعيات التي نتجت منها، وليس ثمة اية دراسات او معلومات موثوقة عن اسلحته النووية او الجرثومية او الصاروخية ولا تبدو الحملة الاعلامية ضده مقنعة ولا مثيرة ولذا كان لابد ان تتكثف تلك الحملة بتهويلات تشمل بعض الدول العربية الاخرى، وذلك هو سر الاصرار على الزج بالمملكة العربية السعودية خصوصاً في الموضوع، فالعرب كلهم ملة واحدة يمكن مزجهم ببعضهم البعض واخذ اي منهم بجريرة الآخر. هذا هو منطق تلك الحملة وذلك مع ان صناع القرار يتخذون منطقاً يخالف ذلك، يقول بضرورة تفريق العرب عن بعضهم البعض، لمحالفة طرف بعينه واستخدامه ضد طرف آخر، ومن هذا المنظور فقد كان المطلوب من المملكة العربية السعودية ان تبدي موافقتها، ان لم يكن تأييدها، للغزو الاميركي القادم على العراق، ولكن خاب الامل الاميركي ازاء الرفض السعودي، المترادف مع رفض الدول العربية جميعاً، لأي محاولة لغزو العراق. عدوان ثنائي هذه المرة تبدو دوافع الغزو اقوى، ومغرياته اعلى، ولذلك فإن اميركا واسرائيل تصممان على امضائه ولو في صورة عدوان ثنائي ان لاميركا في هذه المرة مصالح ومطامح واضحة لا تخطئوها العين، فالبترول العراقي الذي يشكل ثاني اعلى احتياطي في العالم بعد المملكة العربية السعودية سيكون الان في طوع يد الاميركان واذا وضعنا في الاعتبار ان الاميركان بحكم احتلالهم لافغانستان، وعلاقاتهم الوثيقة بدول آسيا الوسطى، قد احكموا سيطرتهم على نفط بحر قزوين الوفير، فإنهم باحتلالهم للعراق يكونون قد استولوا على قرابة نصف مصادر النفط في العالم الآسيوي، وبالتالي يمكنهم التصرف في حركة انسيابية والتحكم في اسعاره كما يشاءون. هذا ما لا يشيرون اليه ابداً عند التحليل مع انه هو الهدف الاصيل، وعوضاً عن ذلك فهم يسرفون في الحديث عن برامج العراق التسليحية الخطرة وكأن تلك البرامج قد ظهرت لتوها للعيان انظر الى احد صقور الجمهوريين واحد كبار محلليهم الاستراتيجيين جيمس بيكر الذي شغل منصب وزير الخارجية خلال ادارة بوش الاب كيف يستخدم لغة العاطفة التي تفيض بمشاعر الرحمة الانسانية هو يتحدث عن ضرورة ان تتحمل الامم المحبة للسلام مسئولية ادبية تجاه برامج التسليح النووي والجرثومي العراقي وذلك حتى تؤمن مستقبلا صحيا آمنا للابناء والاحفاد، ان جيمس بيكر يشير في القراءة الدقيقة لما بين سطوره الى المصالح الاسرائيلية الاميركية فاميركا لا تخشى سلاح العراق الآن، ولم يحدث للعراق ان هدد المصالح الأميركية حتى وهي تغزوه خلال حرب الخليج الثانية ولا خلال اكثر من عقد من السنين عقب ذلك، ولم تثبت اي صلة للعراق بأي من خلايا (القاعدة) او اي حركة معادية للولايات المتحدة الأميركية، انما تخشى اسرائيل وحدها مغبة اسلحة العراق، وتخشاها بشكل مرض مفرط، اذ لم يكن النظام العراقي قد اسهم جديا في اي مجهود عربي عربي منظم ضد اسرائيل؟ وعلاوة على الحذر الاسرائيلي من قدرات العراق العسكرية فان لها مكاسب ايجابية يحققها غزو العراق: انها ولاشك ستحصل على حصتها من نفط العراق وستطالب بتعويضات باهظة ليهود العراق وما ألم بهم وللذين اصابتهم صواريخ سكود العراقية اثناء حرب الخليج الثانية كما قد تجد الفرصة السانحة لطرد مئات الألوف من الفلسطينيين ليستوطنوا مدن العراق، ولا يستبعد ابدا ان يسهم الجيش الاسرائيلي في احتلال العراق، وان يقوم مستشارون مدنيون اسرائيليون بتوجيه الادارة الحكومية العراقية لما بعد الغزو. الذهول التاريخي ان كل ما ذكرناه من التوقعات الآنفة للتنفذ الاسرائيلي في العراق قد يتمخض عنه المستقبل الوشيك، بل قد يأتي الغد بما هو اسوأ من ذلك بكثير، اذ لا تبدو لمخاوف اسرائيل ومطامعها اي حدود، ولا يبدو ان لحالة الذهول التي تلف العالم العربي اي معالجات ناجزة تقطع دابرها وتقي العالم العربي شرورها ان العالم العربي لا يعاني حالة ضعف كما يتردد في الكتابات التحليلية التي تتناول شأنه وانما هو مصاب بحالة الذهول التاريخي الذي يصيب الأمم في دورات معينة من اعمارها فيعميها عن مصادر قوتها، ويلهيها عن الفعل، ويعللها بالآمال. لا يعاني العالم العربي من حالة ضعف لأن اكثر دوله تتمتع باوضاع اقتصادية سليمة، ونسب تعليم عالية، واستقرار اجتماعي وطيد وجيوش مسلحة تسليحا جيدا وأما تعداد سكان العالم العربي الضخم، ورقعته الجغرافية الواسعة، فمما يمهد لتفاعل كل تلك العوامل لايجاد النهضة العظمى التي تجعل للعالم العربي وزنا مؤثرا في أقدار السياسة الدولية، تحميه على الاقل من حالة المهانة التي يعانيها حاليا. لو لم يكن العالم العربي في حالة ذهول عن قدراته وعما يدبر له لادرك ان اللحظة الراهنة هي أفضل اللحظات التي تتيح له استخدام تلك القدرات. ان هذا هو الوقت المناسب ليمارس فيه العرب الضغوط على واشنطن التي تبدو متخبطة وفي اشد الحاجة الى النصراء في حربها ضد الارهاب، ومن ثم فهي مستعدة للاستجابة لضغوط ومطالب اولئك النصراء. ان مناصرة العرب لواشنطن في معظم قضاياها، ولاسيما في حربها ضد الارهاب يجب ان تعطي العالم العربي عائدا معينا، وهذا لن يحدث مالم يطالب العرب وبالحاح متصل بالحصول على ذلك العائد فتلك هي لغة السوق في فضاء العلاقات الدولية، وهي لغة لا تعترف بالجميل لأحد لانها لغة الجشع وتكثيف المطامع واعتصار الطرف الذاهل عن حقه حتى المشاش مالم يكن العالم العربي ذاهلا عن بديهيات الصراع لكان قد ربط مناصرته لواشنطن في كثير من القضايا السابقة بثمن باهظ تدفعه خصما مع اسرائيل في صراع الشرق الاوسط، وتدفعه تأمينا للعالم العربي لا غزوا له واحتلالا لاراضيه. ليس ثمة من مهمة اشد املالا من مهمة الجلال لاثبات البديهيات، التي يفترض انها تحمل في طياتها دلائل صحتها، أو انها ـ كما يقول البعض ـ لا تحتاج الى دلائل من اي نوع، فهي اوضح من الشمس في رائعة النهار ولولا حالة الذهول التي تعتري عالمنا العربي بأسره لما جددنا الحديث عن تلك البديهيات، ولم اسرفنا الحديث عن يقظة العقل الصهيوني وانتهازيته ودربته في الوزن والتحلي، والمقارنة، والاستنتاج، والاعتبار بحوادث التاريخ والقدرة على الاستنفار العام، وما ادارة العقل الصهيوني للازمة الناشبة بشأن العراق حاليا واستخدام التكثيف الواعي للاعلام الاميركي بغرض دمغ العرب بالارهاب وتهيئة الجو العام للحرب الا افضل مثال لما قلنا قبل قليل، وعلى كل فهذا ما نرجو ان يعتبر به العالم العربي، حين تلم به حالة الصحوة التي ستؤدي لا محالة الى شحذ فاعلياته العظمى اجمع. ـ استاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة