في حديثه الخطير الذي أدلى به لمكرم محمد أحمد رئيس تحرير مجلة المصور أكد الفريق عمر حسن البشير رئيس جمهورية السودان انه لا يملك ضمانا كاملا يحول دون انفصال جنوب السودان عن شماله، مشيرا الى ان القلق المصري مشروع بالتالي خشية النتائج الخطيرة للانفصال، ولعله من هنا الدهشة والتعجب لاستنكار نفر من السودانيين قلق مصر، بدعوى ان منح أبناء الجنوب حق تقرير المصير في بروتوكول «ماشاكوس» شأن يخص السودان وحده، وذلك صحيح على صعيد الوطن وسلطة السيادة والأمن القومي للسودان ما في ذلك شك، لكن الشراكة المصيرية التي تربط مصر بالسودان، يفرضها الجوار الجغرافي والتلاحم الديمغرافي وصلات القربى والعقيدة والانتماء القومي العربي والافريقي المشترك، كما وأن كلاهما من دول مصب النيل وليس من دول منابعه، مما يفرض بالضرورة تنسيق المواقف والسياسات على النحو الذي يعزز مصالح البلدين وأمنهما القومي المشترك، وإلا لكانت ثمة مصداقية لانتقاء المشروعية عن دعم مصر للثورة الجزائرية واليمنية أو نضال الشعب الفلسطيني، بدعوى انه أدرى بشعاب قضيته، وان على العرب القبول بما يقبل به ورفض ما يرفضه، وهي المقولة الباطلة التي شاعت واستفحلت منذ اتفاقية «أوسلو» لضرب فكرة القومية العربية والأمن القومي المشترك في مقتل، اتساقا مع سياسة العولمة الأميركية التي تستهدف تفتيت وشرذمة دول العالم الثالث واجهاض الدعوات القومية، ايذانا بالهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية على مقدرات العالم، فضلا عن مستجدات أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي أفرزت أشكالا وألوانا من العداء والحروب الصليبية المقنعة ضد العرب والمسلمين فحسب تحت شعار مكافحة الارهاب! ومما لاشك فيه ان أميركا وجدت في السودان ساحة ملائمة تماما لتقسيمه أو تفتيته في اطار سياسة العولمة، رغم أنها تقف بصلابة في مواجهة الحركات الانفصالية التي تشهدها الدول المتقدمة مثل كندا وأسبانيا وبريطانيا، ولعلنا نذكر خطاب الرئيس بيل كلينتون الذي حذر فيه سكان منطقة «كيبك» الناطق بالفرنسية من ممارسة حق تقرير المصير عبر خيار الانفصال عن كندا، ودوره المشهود في توقيع اتفاقية السلام واستبقاء الوحدة بين بريطانيا وايرلندا الشمالية، ولعلنا نتذكر بالمناسبة كيف وقفت منظمة الوحدة الأفريقية بصلابة ضد انفصال «بيافرا» عن نيجيريا و«كاتنجا» عن الكونغو بينما اختلف الموقف الأميركي تجاه فلسطين والعراق والسودان، حيث العولمة على أهبة الاستعداد لمداهمتها وتقطيع أوصالها على نسق الصومال أو البلقان، فهل من الجائز اذن التغاضي عن دور اللوبي النفطي المتحالف مع المسيحية اليمينية في الكونغرس الأميركي، وكيف رتب وأدار مفاوضات ماشاكوس، بداية بشن الحملات الدعائية والتبشيرية المسعورة التي راحت تنهم نظام الانقاذ بانتهاك الحريات الدينية في الجنوب والى حد وصمه بارتكاب جرائم الرق، توطئة للقبول الدولى والاقليمي بضرورات فصله عن الوطن الأم، ثم الادعاء بأنه عربون السلام الذي ينشده الشعب السوداني، وفوز أميركا بالتالي بغنيمة الهيمنة على ثروات الجنوب النفطية، وجعله سدا بشريا وسياسيا وعقائديا منيعا للحيلولة دون تواصل دور السودان التاريخي كهمزة وصل بين المصالح والعلاقات والثقافة العربية مع أفريقيا، وكان السيناتور جون دانفورث المبعوث الأميركي للسودان والراعي لنشاط الارساليات التبشيرية في جنوبه قد أكد مؤخرا في أحاديثه وتصريحاته الصحفية ان الرئيس بوش معني شخصياً بوضع حد للأزمة السياسية في السودان، وأنه أفضى اليه بأن حل هذه المشكلة المستعصية، سوف يكون من السهل بعدها حل العديد من المشكلات الصعبة والمزمنة في العالم و.. لعله أصاب كبد الحقيقة المرة التي حاول التمويه عليها، والتي تعني تحديدا اعادة ترميم منطقة الشرق الأوسط كمنطلق لفرض العولمة الأميركية على العالم بالخديعة السياسية أو القوة العسكرية أيهما أسبق وأقل تكلفة! ـ كاتب مصري