آن الأوان لاستحداث نقلة عربية نوعية من دائرة القول المباح الى دائرة الفعل الواجب. لقد اطلق وزير الخارجية البريطاني جاك سترو قرب نهاية الاسبوع، المنصرم ما يمكن ان يعتبر طلقة استهلاكية لمعركة دبلوماسية بشأن العراق يكون ميدانها مجلس الامن الدولي. فقد اعلن اقتراحا مفاده ان بوسع بغداد ان تتفادى حملة عسكرية ضدها اذا قبلت عودة مفتشي الاسلحة الدوليين. ولو صدر مثل هذا الاقتراح عن عاصمة غير لندن، مهما يكن وزنها في ساحة الصراع الدولي، لجاز تجاهله كحديث اكاديمي فارغ المضمون لكنه صادر عن حكومة بريطانيا التي تعتبر دون مبالغة في منزلة المتحدث الرسمي باسم الادارة الاميركية. فاذا اخذنا في الاعتبار تلك العلاقة التحالفية الاستثنائية بين بريطانيا والولايات المتحدة فاننا سوف نستخلص ان هذا الاقتراح البريطاني ما كان ليعلن لولا انه ترتيب متفق عليه سلفا بين الحليفين. واذا قلنا اذن ان على الدول العربية ان تأخذ هذا الاقتراح مأخذ الجد فان هذا سيكون بداية قصة لا نهايتها. فاذا تبنت الدول العربية الاقتراح فانها يجب ان تكون مستعدة سلفا لخوض معركة دبلوماسية. ان الاقتراح البريطاني كما أعلن ليس ملائما لبغداد لأنه يطالبها بقبول عودة مفتشي الاسلحة «دون قيد أو شرط». ومعنى ذلك أن يرتد الوضع الى ما كان عليه قبل خروج مفتشي الاسلحة في العراق عند نهاية عام 1998 بما يتضمن ذلك من عدم تقييد عملية التفتيش بجدول زمني محدد، وبالتالي موعد معين لوضع نهاية لنظام العقوبات المطبق على العراق لمدى الاحدى عشرة سنة الاخيرة منذ عام 1991. لكن الاقتراح بصيغته المعلنة يبقى مع ذلك قابلا للاخذ والرد على الصعيد الدبلوماسي. هنا من المتاح للحكومات العربية ان تلتقط الخيط بالتشاور مع الحكومة العراقية في اطار الجامعة العربية لادخال تعديلات على الصيغة البريطانية تكون مقبولة لدى العراق ومتسقة مع مباديء القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة. ان المهم في هذا السياق هو ان تنتهز مجموعة الدول العربية بما فيها العراق مناسبة المبادرة الدبلوماسية البريطانية لتنقل القضية العراقية من الاطار الأميركي الى الاطار الدولي الارحب المتمثل في مجلس الامن الدولي. ولكن في هذه الحالة عليها ان تتقدم الى المجلس بتعديلات محدودة انطلاقا من الاقتراح البريطاني ووفقا للخطوط العريضة التالية: أولاً: ان الحكومة العراقية لا ترفض مبدأ عودة مفتشي الأسلحة الدوليين. ثانيا: يجب وضع جدول زمني لعملية التفتيش يحدد مداها ونهايتها كأن يكون ستة شهور مثلا لا أن يترك التفتيش بغير قيد زمني لكي يستمر الى الابد دون نتيجة كما تريد الولايات المتحدة. ثالثا: يجب اعادة تشكيل عضوية فرق التفتيش لتتخذ طابعا حياديا نزيها فيتم التشكيل من كافة الدول الخمس الكبرى دائمة العضوية في مجلس الامن بنسب متكافئة (روسيا وفرنسا والصين بالاضافة الى الولايات المتحدة وبريطانيا). رابعا: اذا اثبت التقرير النهائي للجان التفتيش ان العراق صار خاليا تماما من اسلحة الدمار الشامل فان على مجلس الامن أن يتخذ قرارا بالغاء نظام العقوبات المفروض على العراق فوراً. ان الحكومات العربية تردد على الدوام أنها لا تريد للعراق ان يتعرض لضربة عسكرية اميركية. واذا ارادت هذه الحكومات قياسا على موقفها المعلن تجنيب العراق غزوا اميركياً فان المخرج الوحيد المتاح أمامها هو ايجاد موقف دبلوماسي عادل وحازم داخل مجلس الامن الدولي ـ بمعاونة قوى كبرى داخل المجلس تشارك في معارضة التوجه الهجومي الأميركي ـ يمكن ان يردع الولايات المتحدة. ومما ينبغي ان يكون عاملا مشجعا لاي هجوم دبلوماسي عربي ان المناخ الدولي تحول لصالح العراق من ناحية ولصالح الدبلوماسية ـ لا الحرب ـ كوسيلة مفضلة للاقتراب من المشكلة العراقية. فدول الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين واليابان والهند كلها اعلنت معارضتها للاجندة الحربية الأميركية. ان الحل السلمي اذن متاح لو اخذت الدولة العربية زمام المبادرة جماعيا.