في القفص نفسه الذي وقف فيه وزير المالية السابق الدكتور (محيى الدين الغريب) ليحاكم امام محكمة الجنايات وقف وزير اخر ما ان سمع الحكم بسجنه 10 سنوات مع الاشغال الشاقة حتى راح يخبط رأسه في حديد القفص.. وهو يصرخ: (حسبي الله ونعم الوكيل.. دي اخرتها يابلد).. وكأنه كان وزيرا شريفا مستقيما متفانيا.. احترق في سبيل البلد.. وتفانى في خدمتها.. ثم لقي جزاء سنمار. اسمه (رأفت رستم).. جاء وزيرا بالصدفة بسبب تشابه الاسماء اختلط اسمه باسم شخص اخر لكن رئيس الوزراء لم يكتشف ذلك الا ساعة حلف اليمين الدستورية فلم يجد مفرا من قبوله عضوا في حكومته حتى يرفع عن نفسه حرج الاهمال وعدم الدقة في اختيار رجاله وعلى امل تغييره في أول تعديل وزاري.. لكن.. المذهل ان وزير الصدفة بقي في منصبه.. وصعد نجمه.. بينما خرج رئيس الوزراء ليقضي ماتبقى من أيامه في مزرعة بعيدة في الصحراء يأكل نفسه بنفسه.. ولا يستسيغها. رأفت رستم هو نفسه (معالي الوزير) الفيلم الذي كتبه بخبرة (وحيد حامد) وجسده ببراعة (أحمد زكي) و(اخرجه بسلاسة) سمير سيف ليلخص باتقان الوجه الاخر لحالات الفساد المتتالية.. والمتشابهة كحبات الأرز.. ووجوه الصينيين.. والتي تكاد تصبح بابا ثابتا في الصحف المصرية.. وقد أتيح لي أن أشاهد الفيلم قبل وضع لمساته الاخيرة.. على مقعد ضيق.. وشاشة عرض محدودة ورغم ذلك لم أشعر بالملل.. ولا بمرور الوقت فأنا امام فيلم يستحق المشاهدة مهما كانت الظروف أو يستحق المشاهدة في هذه الظروف. لقد تغير (معالي الوزير) كثيرا بعد ان بقي في منصبه طويلا.. وضربت جذوره.. وثبت اقدامه.. لم يعد يبحث عن (بدلة) مناسبة ليحلف بها اليمين الدستورية.. ولا رباطة عنق تناسبها.. فحوائط بيته كلها خزائن للثياب الأنيقة.. والبيت نفسه تغير.. لم يعد شقة متواضعة.. وانما اصبح (فيلا) شاسعة.. ولم يعد مرتبكا وهو يحلف اليمين الدستورية.. لقد حفظها عن ظهر قلب.. ولم يعد يأكل (المحشي) الذي تجيده زوجته فكل قوائم الطعام أصبحت مفتوحة أمامه.. وكل السهرات.. وقنوات التليفزيون.. ونوادي الروتاري.. وبيوت النجوم والأثرياء أيضا. لكن.. المشكلة التي تؤرقه.. انه لا ينام دون كوابيس لقد امتلك كل شئ القصور والفيلات وشاليهات الصيف في (مارينا).. وثروة من الأموال وضعها في حسابات سرية في سويسرا ببصمة الصوت.. واطمئن على غطائها القانوني فهو بذكاء قد كتب في اقرار الذمة المالية يوم دخل الوزارة أول مرة انه يمتلك ثروة تقدر بخمسين مليون جنيه.. سجل رقما قبل ان يحققه أو سجل رقما ليحققه حتى لا يقولون له: (من أين لك هذا؟) لكنه، رغم ذلك كله.. لا ينام.. أو يخشى النوم.. فالنوم يطلق مافي عقله الباطن من متاعب ومخاوف تنهشه.. وتحاسبه.. وتحاكمه.. وتحرمه من الاستمتاع بالسلطة والثروة والشهرة.. على انها من جانب اخر تكشف سيرة حياته.. وتروي ماخفي عنه. فهو يحلم انه ساحر في سيرك ريفي عليه أن يؤدي (نمرته) ليأكل عيشه.. وتساعده في تأدية ألعابه زوجته وابنته.. فيدخل صندوقا يتكور فيه.. ولا تظهر منه سوى رأسه.. وتبدأ خناجر أقرب الناس اليه تخترق جسده.. ثم تطيح رأسه.. ان اللعبة تنقلب جدا.. وخطر الاغتيال يحاصره في بيته ورغبة التخلص منه هي رغبة اقرب الناس اليه.. رغبة من هم لحمه ودمه وهذا هو الجحيم بعينه. وليس صعبا ان نفهم السبب.. فقد زوج ابنته شخصا لا تطيقه.. زوجها من ثروة باردة مخنثة.. دهس زهرة قلبها قبل ان تتفتح.. فكرهته.. وقاطعته.. وراحت تدخن المخدرات في غرفة باردة امام جهاز الانترنت.. وفي غرفة اخرى باردة عاشت زوجته.. لقد فقد رغبته فيها.. وانشغل عنها بالخطة الخمسية.. خطة الاجيال القادمة التي حرمت واحدة من الاجيال الحالية من لحظة خاصة دافئة.. ولم تجد امامها سوى الجمعيات الخيرية.. لكن (معالي الوزير) لم يحرم نفسه من فرصة تواصل الأجيال.. فهو يلهو مع فتيات في عمر ابنته.. يخلعن عنه لباس السباحة ويحولنه الى كرة يلعبن بها.. ويبدو الرجل الوقور الذي يهز أركان مجلس الشعب وتنشر الصحف تصريحاته النارية متصابيا ساذجا يثير الشفقة والسخرية في الوقت نفسه.. على انه يعجز عن الاستمتاع بما بين يديه.. فيلجأ الى الاحلام لعلها تمنحه قوة لا يوفرها الواقع.. يحلم انه مأمور سجن للنساء.. رجل وحيد في غابة من النهود والسيقان.. لكن سلطاته وجبروته ورتبه الصفراء اللامعة لا تكفي.. أنها اسلحة غير مناسبة.. ومن ثم يتحول الحلم الى كابوس.. وتنهال عليه نساء السجن ضربا وعضا وانتقاما. وبينما يسجل برنامجا تليفزيونيا يشعر بحشرجة في حنجرته ويحبس صوته.. لم يعد قادرا على النطق.. ولا يملك سوى التعبير عن نفسه بالكتابة.. وعندما يكتب نكتشف مأساته الحقيقية في تلك اللحظة.. ان امواله الموضوعة في سويسرا لا يمكن الافراج عن الا ببصمة صوته وعندما يكشف ذلك لزوجته وأولاده نعرف حجم المأساة.. انهم لا يشعرون بالفزع على ماأصابه فليذهب الى الجحيم ولتأكل الذئاب جثته في البرية.. وانما شعروا بالفزع خوفا من ضياع ما سرق ومانهب. لكن.. هذا الكابوس ليس أصعب الكوابيس.. لقد فوجئ في كابوس اخر بعشرات من القلل تلقى فوق رأسه من موظفي الوزارة بعد ان خرج منها.. ولم ينفعه انتفاخه الذي اشتهر به.. وفوجئ في كابوس مختلف ان لا أحد مشى في جنازته وان أسرته مصرة على سرعة دفنه وانها لا تريده أن يعود الى الحياة لو كانت له فرصة في ذلك.. انهم لا يريدونه، يريدون ثروته ليتمتعوا بها. أما أصعب الكوابيس فهو ساعة القبض عليه والتحقيق معه ومحاكمته.. ان كل القوة تنهار امام سؤال عابر من محقق صغير عن مصدر ثروته وهو عاجز عن الاجابة، انها اللحظة التي لا يتخيلها مسئول فاسد.. ولا يحسب لها حسابا، هي اللحظة التي ينهار فيها كل شئ ويتحول فيها الجبروت الى خرقة بالية وظيفتها الوحيدة مسح البلاط. لقد امتلك (معالي الوزير) كل شئ.. لكنه عاجز عن النوم في سلام.. ان كل مايملك من ثروة وسلطة لا يوفر له لحظات قليلة من النوم الخالي من الأرق، فعندما يتحول الضمير إلى وسادة من الأشواك والمسامير فلا مفر من القفز ليلا وكأن هناك عشرات من الديناصورات الهائجة تطاردنا وعندما نهرب منها نجد أنفسنا في مغارة تمتلئ بالثعابين والعقارب.. وعندما ننجو منها نجد أنفسنا في هاوية. ويقرر صاحب المعالي ان يأخذ اجازة يقضيها في (مارينا) لينام.. ويصحبه سكرتيره وكاتم أسراره والمسئول عن راحته ورغباته لكنه يجد هناك مطاردة من نوع اخر مطاردة حية.. تتجسد أمامه في مطعم سمك.. زوجته الأولى.. حبه الذي ضحى به في تقرير كتبه عنها وعن زملائها في الحركة الطلابية تنتهي بحبسهم جميعا.. لقد شعر انه بلا ثياب.. عاجز عن النطق، لا شيء مما فيه ينفعه.. (فاوست) الذي باع نفسه للشيطان.. حصل على كل ما يريد.. لكن كل ما حصل عليه لا يكفي ثمنا للحظة حب أو لحظة حرية أو لحظة احترام من المرأة الوحيدة التي احبها. على ان (معالي الوزير) يصر على النوم.. يرهق نفسه بالجري لعل النوم يرضى عنه ويربت عليه بلا ازعاج.. لكنه يفشل.. يقترح عليه سكرتيره ان يدخن الحشيش.. لكنه قبل ان يحصل عليه يجد نفسه في التخشيبة.. والمثير للدهشة انه وجد النوم المستريح في التخشيبة.. لقد شعر بأنها مكان مناسب له.. فراح في سبات عميق.. لكن التخشيبة لم تكن المكان الوحيد الذي نام فيه بلا كوابيس.. كان هناك مكان اخر.. مسجد صغير على الطريق السريع.. دخله كعابر سبيل.. واستضافه خادمه ليلة.. لكن في الليلة التالية شعر بالريبة فطرده هو وسكرتيره، ان الانسان عندما يرتكب ذنبا يلجأ الى بيت الله وعندما يرتكب جريمة لا يهدأ ضميره الا اذا نال عقابه فيكون مكانه الطبيعي التخشيبة أو السجن.. إن المجرم أو المذنب يجب ان ينال جزاءه أو عقابه حتى يستريح نفسيا.. ولو لم يحدث ذلك يظل مطاردا بما لا يقدر عليه.. الخوف من القصاص.. وانتظار البلاء. ويقترح عليه سكرتيره أن يعرض نفسه على طبيب نفساني.. لكنه يغضب بشدة من الاقتراح ويعاقب سكرتيره بأن يجبره على نزول الماء بكامل ملابسه.. فإن تسرب خبر تردد وزير على طبيب نفساني فهذا معناه نهايته.. وهي نظرة متخلفة للطب النفسي رغم واقعيتها في مجتمعنا فلسنا في حاجة للقول ان طب النفس كطب الجسد ضرورة أحيانا.. ولا يعني المرض النفسي الخبل أو الجنون أو وضع اناء طهي فوق الرأس.. على كل حال لا يقبل الوزير الفكرة في البداية.. لكن سرعان ما يتقبلها بعد ان تعجز كافة الوسائل في توصيله الى بر النوم.. على ان يقرر ان يذهب سكرتيره الى الطبيب النفساني بدلا منه وحتى يكون العلاج صائبا راح يكشف لسكرتيره كل اسراره ليكون قادرا على الاجابة عن أي سؤال يطرحه الطبيب النفساني.. ويوافق السكرتير.. فهو قد وافق على ما هو اسوأ من ذلك.. تقديم المتعة لسيده. وفي مشهد يختلط فيه الكابوس بالواقع ترى سكرتيره ينشر كتابا عن فساد الوزير ويصبح الكتاب حديث المدينة.. ثم نفاجأ بالوزير حائرا قلقا في انتظار مكالمة تليفونية.. وعندما يتلقاها.. نعرف ان سكرتيره قد قتل.. لقد عرف أكثر مما يجب.. ومن ثم كان لابد من التخلص منه.. ولو بالقتل.. وقد شخص الحادث على انه انتحار.. خاصة وان السكرتير كان قد ترك لزوجته ورقة يقول فيها انه في طريقه للطبيب النفساني.. مما يعني قابليته للانتحار.. ودون ان يعرف احد انه كان في طريقه إلى الطبيب النفساني في مهمة رسمية.. نيابة عن سيده. وكمن يقتل القتيل ويمشي في جنازته ينعى الوزير سكرتيره امام حشد من موظفي الوزارة، لكنه فجأة يجد كل الموظفين امامه وقد اصبحوا جميعا على هيئة سكرتيره.. لقد فرضت الكوابيس نفسها وهو في حالة اليقظة أيضا.. لم تعد تأتيه في فراشه فقط وانما جاءته في كل مكان يجد نفسه فيه. إن (رأفت رستم) ليس شخصا بعينه.. فلا نحن نعرف في أي وزارة كان.. ولا يهمنا ان نعرف.. وربما كان وكيلا لوزارة.. أو رئيسا لشركة.. أو محافظا سابقا.. أو موظفا صغيرا في حي.. ربما كان في هذا العصر أو في عصر (رمسيس) الثاني هذا ايضا لا يهم.. المهم انه يجسد سيرة مسئول فاسد منحه (وحيد حامد) ملامح وصفات عصرية مباشرة وملموسة لا لتشير اليه تحديدا.. انما لنفهم ونستوعب ونقرأ كفه.. نمشي وراء خط الثروة.. وتقاطعه مع خط الصحة النفسية والعصبية.. ونتوقف عند خط العمر.. عمره في السلطة.. لنعرف انه الخط الوحيد الذي لا يريده ان ينقطع.. أو هو الخط الوحيد الذي لا يريده قصيرا.. فخط السلطة هو أهم خطوط الكف.. فالسلطة تأتي بالثروة.. والمتعة.. والجاه.. والهيلمان.. والسيطرة والبقاء. في مذكرات وزير الخارجية الاميركي الأسبق (هنري كينسجر): انه كان يشعر وهو في السلطة بقوة جنسية خارقة للعادة سرعان مافقدها عندما عاد للتدريس في الجامعة والكتابة في الصحف.. وفي مسرحية (يوليوس قيصر) لـ (وليم شكسبير) نجد أكثر من دليل على أن السلطة تقرب المسافة بينها وبين القتل دون خجل أو قلق.. فالبقاء فيها قد يحتاج الى ضحية تذبح كالقربان الذي كان يقدم في معابد الديانات القديمة.. وفي فيلم (سقوط الامبراطورية الرومانية) الذي صاغته عبقرية (فلليني) يقف الأمير المطرود من السلطة والعاجز جنسيا وسط ملعب كبير وهو يصرخ: (لقد فقدت خنجري) فخنجره في قوته.. وقوته في سلطانه.. وسلطانه لم يعد قائما. ولو ضاعت السلطة قصر طول من فقدها.. انكمش.. تلاشت المسافات بين فقراته العظيمة.. واسوأ ما يحز في نفسه تجاهل الناس الذين كانوا يتمنون منه نظرة.. أو كلمة.. أو ابتسامة.. انه (تمثال من عجوة) عبدوه وهو على كرسيه وأكلوه بمجرد أن سقط من عليه.. هذا هو اخر قانون في هذه اللعبة.. لكن.. لا أحد يكتشفه الا بعد فوات الأوان.. في الوقت الضائع.. بعد ان يكون كل شيء قد انتهى. وربما لهذا السبب يقولون: ان الوزير في مصر يفقد نصف عقله عندما يدخل الوزارة ويفقد النصف الثاني عندما يخرج منها ويصبح من أصحاب السوابق.. أي الذين يحملون لقب سابق.. وهو لقب يفضل معظم المسئولين عليه لقب مرحوم.. فعلى الاقل.. سيضمن باللقب الاخير جنازة رسمية مهيبة لن يجدها في حالة وفاته بعد خروجه من السلطة وحيدا منكسرا.. يبحث لحظة حنان فلا يجدها. ان الطاووس في تلك اللحظة يلملم جناحيه وريشه ويحني رأسه ولا يجد مكانا يستقبله فيه الناس سوى الجنازات وسرادقات العزاء في مسجد (عمر مكرم) واغلب الظن انه في تلك اللحظة لن يتذكر رباعية واحدة من رباعيات (صلاح جاهين).. لن يتذكر الرباعية التي يقول فيها: (إنسان.. يا إنسان.. ما أتفهك في الكون وما أضألك.. شمس وقمر وملايين نجوم.. وفاكرها ياموهوم مخلوقة لك؟).. ولن يتذكر الرباعية التي يقول فيها: (ولدي.. إليك بدل البالون ميت بالون.. أنفخ وطرقع فيه على كل لون.. عساك تشوف بعينيك مصير الرجال.. المنفوخين في السترة والبنطلون).. ولن يتذكر الرباعية التي يقول فيها: (سمعت نقطة مية جوه المحيط.. بتقول لنقطة ميه ماتنزليش في الغويط.. أخاف عليكي من الغرق.. قلت أنا.. ده اللي يخاف م الوعد يبقى عبيط).. ولن يتذكر الرباعية التي يقول فيها: نظرت في الملكوت كتير وانشغلت.. وبكل كلمة (ليه) و(عشانيه) سألت.. اسأل سؤال.. الرد يرجع سؤال.. واخرج وحيرتي أشد مما دخلت.. عجبي. ـ كاتب مصري