أحد عشر يوماً تفصلنا عن يوم الحادي عشر من سبتمبر، ذلك اليوم الذي حفر تاريخه بعمق في العام الماضي، وشغل العالم كله بما جرى فيه، وسيظل يشغله لعقود طويلة مقبلة. عام عاشته الكرة الأرضية تحت حذاء القوة الاميركية، وتحت جنونها وغطرستها.. عام قتل خلاله بأيدي الآلة العسكرية الأميركية من المسلمين أضعاف أضعاف من راحوا ضحايا مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاغون.. عام اختزلت فيه الولايات المتحدة ماضي وحاضر ومستقبل الأمة العربية والاسلامية في ذات شخص واحد. والفاعل من الناحية القانونية لايزال مجهولاً، رغم شرائط اسامة بن لادن، وأحاديث قادة تنظيم القاعدة. ولكن اتهامات كثيرة صدرت ضد العرب والمسلمين من رأس السلطة الأميركية وذيولها.. بداية من الرئيس دبليو بوش ونائبه تشيني ونزولاً إلى اشكروفت وموللر وتينيت ومروراً برامسفيلد، كلهم تسابقوا في قذفنا بالاتهامات، في مزاد دولي نصبوه ضد العرب والمسلمين. كلهم رمونا بتهمة «الارهاب» وبأننا وراء حوادث سبتمبر دون ان ينجح أي منهم أو أي جهاز تابع لهم في تقديم دليل مادي واحد يستطيع الصمود أمام أي محكمة في أي مكان في العالم، وذلك رغم ما لديهم من أجهزة استخبارية هي الأكثر شراً على ظهر الأرض. لقد وصمونا بأننا «ارهابيون» من المهد إلى اللحد ومضوا في اتهاماتهم الى ما هو أكثر من التهديد بضرب سوريا والعراق وليبيا والسودان واليمن وغيرها، ثم كانت الضربة الحقيقية في فلسطين التي ارتوى تراب مدنها وقراها بدماء الضحايا من المدنيين الأبرياء.. ومجزرة جنين لاتزال حية في وقت كافأ فيه بوش الابن شارون السفاح بكل أنواع الحماية واسبغ عليه لقب «رجل سلام». الحقائق أصبحت مقلوبة ومعكوسة، بل ومغلوبة على أمرها، فالسياسة الأميركية حولت الضحايا في فلسطين الى «ارهابيين» و«قتلة» وطلبت منا علنا أن نردد ذلك وراءها، فيما هي تصور السفاحين والارهابيين الصهاينة في ثياب الضحايا والمسالمين.. اللعبة قديمة جداً، مورست ضدنا مراراً، لكنها تجددت مع حوادث سبتمبر. حرب نفسية قذرة قادتها الولايات المتحدة واسرائيل ضد كل ما هو عربي ومسلم واتهامات لم يسبق أن نالت أي امة من الأمم روجت لها آلة اعلامية وعسكرية مبرمجة فقط ضد العرب والمسلمين، وسط تحريض مقترن بالهستيريا والجنون، ومطالبات بمليارات الدولارات وتلويح بقضايا تعويضات كفيلة برهن أرواح وثروات ومستقبل كل عربي ومسلم سيولد بعد مئة سنة من الآن. وهذه الرؤية صارت هي المحرك الرئيسي للعقل السياسي الأميركي في ظل تحالف شيطاني بين اليمين المسيحي في واشنطن واليمين الصهيوني في تل أبيب. طوال العام الماضي خسر العرب والمسلمون ولم يكسبوا شيئاً لأن كل ما فعلناه كان الكلام بينما تحدثت قنابل الآخرين وصواريخهم نيابة عنهم، وكانت طلقات مدافعهم أعلى صوتاً من اصوات مليار ونصف مليار مسلم. هم كسبوا كل شيء وحققوا أهدافهم .. أميركا زرعت قواعدها في كل بقاع الأرض حتى في تلك الأماكن التي كانت محرمة عليها.. اسرائيل اقتحمت المدن الفلسطينية وهدمت منازلها وقتلت وحاصرت وجوعت الشعب الفلسطيني، ولاتزال تفعل.. أميركا اطاحت بحركة طالبان الافغانية ونصبت حكومة موالية لها في كابول.. اسرائيل اطاحت عملياً بالسلطة الفلسطينية وتولت الأمور نيابة عنها في مدن الضفة.. وبينما تتمسك اسرائيل وتصر على تغيير عرفات، فإن أميركا تصر هي أيضاً على تغيير النظام في بغداد وتحشد قواتها لتنفيذ مجزرة ضد الشعب العراقي. مكاسبهم وخسائرنا تدعونا إلى إعادة النظر في كل حساباتنا وعلاقاتنا تجاههم، واذا كان يوم الحادي عشر من سبتمبر الماضي في الاستراتيجية الاميركية الاسرائيلية يوماً فاصلاً وبداية لواقع جديد فرضوه على العالم، فليكن اليوم نفسه من هذا العام بداية جديدة لنا نحن العرب والمسلمين بعد أن علمنا يقينا ان العدو الحقيقي موجود في واشنطن وليس في تل أبيب فقط.