ما سجلته السيدة سالمة بنت السيد سعيد بن سلطان في «مذكرات أميرة عربية» كان عبارة عن بكائيات مرّة لسيدة شرقية حكمت على نفسها بالتشرد والضياع، فذاقت ألوانا من الخوف والذل والأحزان، وطعمت قسوة الجوع والفقر بعد عز القصور وبذخ السلطان. ما كانت سالمة مجرد امرأة شرقية إنما أميرة بنت حاكم، كان في زمنه واحداً من أعظم السلاطين في هذه القطعة من العالم، تهابه بريطانيا العظمى وكل امبراطوريات ذلك الزمان والتي كانت تطمع وتشتهي ان يكون لها موضع قدم في أرض الاحلام هزت قوى مثل البرتغال وفرنسا والمانيا وإيران. كتبت سالمة مذكراتها هذه، وهي في الغربة بعد أن بدّلت دينها وثوبها ولسانها وجلدها وكل شيء فيها. كتبت من هناك تتذكر وتبكي تسيطر عليها لوعة الحنين وفي دواخلها الندم والحسرة على ذلك الزمن الغابر الذي ولى، والذي غادرته بإرادتها وعاشت ما تبقى من عمرها تتمنى ان تعود له، وعندما تحقق الحلم لها يوما جاء متأخرا، فقدت عنده هويتها وزوجها واموالها وسنوات شبابها، عادت كامرأة مبدّلة غريبة، مجرد زائرة مسموح لها بأيام معدودة، وعليها بعدها ان تغادر من غير رجعة، فلا المكان لها كما كان، ولا الزمان يرضى عنها ويسمح لها أن تمسح ما مضى من أيام العمر، وتعود كما تشتهي، كل شيء تغير. هذه المذكرات تقارن بين ماضي الاميرة وبين حاضرها، وتنتصر لذلك الماضي، لان كاتبتها سطرتها وهي في حالة حنين وندم، مجروحة من مادية الغرب الذي اصبحت منه. كتبت ذكرياتها كما تقول في بداية تقديمها من أجل أولادها، كي يتعرفوا عليها، على قلب أمهم المكلوم وتاريخها الجميل، عساها بهذا العمل ان تحملهم شيئاً من تلك الانسانية المفقودة في عالمهم الذي تكسره طباعه، وتمنحهم بقايا مجد تلاشى وسحراً شرقياً أبطلت تحولات الدهر مفعوله فما عاد سوى في أوراق التاريخ المطوية. غير السطور الواضحة التي كتبتها السيدة سالمة التي اصبحت «البرنسيس اميلي روث» التي تصف فيها مدينتها زنجبار وحياة الناس هناك وسيرة السلطان وزوجاته واولاده وخدمه ونعيم الحياة في هذه القصور والصراعات التي كانت بين ابناء السلطان، وكذلك مسيرة حياتها منذ طفولتها حتى هروبها. غير هذا الوصف الدقيق هناك مواقف وملاحظات ذكرتها الباحثة عن الدور السييء الذي لعبته بريطانيا في المنطقة ومحاولة استغلال اولاد السلطان الذين اصبحوا حكام زنجبار بعد ذلك ودورها في اثارة الفتن والمنازعات ومن ثم احكام قبضتها على المنطقة واستعمارها ومنطق القوة والاستعلاء في تعاملها مع السلطان اولاً «برغش بن سعيد» الذي اصبح تابعا وحاكماً بأمرها وتهميش الاهالي وجعلهم في حالة من العوز والجهل ليتسنى لها نهب خيارات البلد وثرواتها. كذلك استخدام السيدة سلطانة أو المواطنة الالمانية الجديدة، كما استنتج مترجم المذكرات عبدالمجيد القيسي من خلال حديث الكاتبة عن دور الحكومة الالمانية والتسهيلات التي قامت بها من اجل زيارة الاميرة لبلدها السابق. هذا الدور الذي كان مقابل ثمن أو عامل ضغط على سلطان زنجبار من اجل تحقيق مكاسب استعمارية لالمانيا في الجزيرة. وتبقى مذكرات أميرة عربية للسيدة سالمة بنت السيد سعيد بن سلطان، سلطان مسقط وزنجبار التي كتبتها في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي واحدة من أهم الكتب التي تتحدث عن تاريخ هذه الجزيرة العربية التي خسرناها، وهي من المراجع القليلة التي تتحدث بالتفصيل وعن قرب عن سيرة اميرات وسلاطين عرب، تصف المكان وطبيعة حياة القصور ومظاهر الفخامة ورغد العيش الذي كان باديا في كل ما يحيط بهم من نعيم وجاه. ويبقى في المذكرات غير التاريخ والوصف، عبرة مهمة للقاريء، وهي الدرس الذي تعلمته الاميرة السابقة صاحبة الكتاب، انه لا شيء يعوض عن الوطن. والندم الذي يلاحق الانسان حتى نهاية عمره لو تخلى يوماً عن اهله وكيانه. انك تستطيع ان تبدل كل حياتك، تملك ان تغير سيرك في هذا العالم، تتبدل وتتلون، وتقنع غيرك انك اصبحت كائناً غير الذي كان، لكنك هل تستطيع ان تقنع دواخلك بذلك، هل يرضى قلبك بالتحولات، لو كانت هذه التبدلات نحو الاسوأ؟ كما هي الأميرة التي تحولت، ستكون اسير الماضي، لا تملك سوى بكائيات الاطلال، وقلب حزين مفرط في اوجاعه وآهاته يعيش هناك.. حيث كان الماضي