المنطلق للعمل السياسي العربي هو غياب السياسة في الممارسة والتحدث عن السياسة في كل يوم فالسياسة في بلادنا هي خبز يومي ودائم للحديث ولكن هذه السياسة تبقى في معظم المجتمعات العربية ، دون الممارسة والتطبيق الحقيقي. السياسة مادة طبيعية لكل مجتمع ولكنها في العالم العربي غائبة في ظل غياب ضوابط واضحة للتعبير، وفي ظل غياب دور واضح لصحافة حرة حاضرة في الشأن المحلي، وفي ظل غياب لدور الانتخاب والحملات الانتخابية، ويؤدي النقص في حرية ممارسة السياسة الى تشكلها خارج اطر العلنية، فتنشأ بلا تجربة ونضج وتتحول الى تعبير غاضب ينقصه التعامل السياسي والمسئول. في هذا برزت الكثير من تيارات التطرف العربي كتعبير عن نقص الحريات وحدة الاختلافات ونظرا لنقص مساحة الحرية اصبحت حياتنا السياسية تفضل الجلسات «المغلقة» وتخشى من الشمس المفتوحة، فالدول لم تشجع العمل السياسي العلني والتيارات السياسية العربية المعارضة وجدت الحماية في السرية، ونظرا لكل هذا اصبحت المؤتمرات الخاصة بالمعارضة العربية تعقد في لندن ونيويورك (مثلا مؤتمر الاخوان المسلمين السوريين منذ ايام في لندن ولقاءات المعارضة العراقية، ومكاتب الكثير من المعارضات العربية التي لا وجود لها في اوطانها) كما ان لقاءات جمعيات حقوق الانسان العربية لا تجد من يستضيفها عربيا فتذهب الى قبرص ودول العالم لتجد بعض الحماية والحقوق، في هذا نجد ان ما ينقص العالم العربي هو تجربة حيه مع السياسة بكل تعبيراتها العلنية والمكشوفة، وهذا لن يتحقق بلا انتخابات واصلاحات واحزاب وصحف محلية تمتلك مساحة واسعة من الحرية، وقضاء مستقل. وبطبيعة الحال فان علاقتنا بالسياسة متناقضة ففي تاريخنا الحديث تحولت السياسة الى نقمة فالذين دخلوا العمل السياسي في الكثير من الدول العربية انتهوا الى صناعة الانقلابات او الثورات او انتهوا في عالم الاعدام السياسي او الجسدي او في السجون بل قلما نجد في بلادنا رئيسا متقاعدا فهو اما رئيس مدى الحياة او هو بعد ذلك في السجن او في المنفى كما حصل مع رؤساء لا حد لهم ومن الصعب القول ان هذا بسبب سياسات الدول لوحدها بل احتكمت القوى الرسمية والغير رسمية لذات اللهجة العدائية ولذات اللغة التصنيفية في التعامل مع الخصوم. في السياسة اذن الخصومة تتحول الى صراع خنادق لغته التخوين والرفض الشامل للطرف الاخر والاستئثار بالسلطة والمواقع مهما كان الثمن الوطني كل هذا جعل السياسة غير قادرة في معظم بلادنا العربية على اداء وظيفتها بصفتها اداة اختلاف وتوازن واداة تعبير عن احتياجات ومصالح المجتمع وافراده بواسطة طرق سلمية وطرق الحوار. حضارية السياسة مازالت جسدا لم ينم في بلادنا وهي مازالت دون الارتقاء الى الممارسة ومازالت في حيز التأمل وربما الامل المستقبلي فالسياسة هي فن الاختلاف وهي فن الترابط في ظل الاختلاف وهي لغة التداول (يوم لك ويوم عليك) وهي لغة القبول بانتصار الآخر في الانتخابات عوضا عن الخنادق، انها لغة صراع واختلاف بلا قذف وتحقير، وهي لغة محاسبة في ظل القانون عوضا عن محاسبة البنادق في السياسة مساحة تسمح لكل فريق بترتيب دوره، وتسمح للشعب بتحمل مسئولية تجاه من يحكمه من خلال صناديق الاقتراع. عرب اليوم يحيون بلا سياسة يحكمون ويعارضون بلا سياسة، ويتقاتلون بلا سياسة، ولهذا يقفون خارج معادلات السياسة كما نعرفها في العصر وفي العالم. ان مسئولية العودة الى الاقتسام والتفاعل والترابط والاختلاف هي مسئولية عربية جماعية، فان لم يقتسم العرب في دولهم ووسط مجتمعاتهم حياة السياسة بحرية وانفتاح وان لم يتراحموا في ظل عناصر الشد والرخي التي هي اساس السياسة، فلن يرحمهم العالم الاوسع ولن يتعامل معهم بأفضل مما يتعاملون مع انفسهم. في هذا يقع تناقض كبير وخوف على المصير العربي علينا ان نسعى للتعامل الجاد معه. ـ استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت