«ما دام الاميركيون غير قادرين على اثبات ان هناك اسلحة نووية في العراق فلن نؤيد مثل هذه الضربة (يعني الضربة العسكرية الاميركية المحتملة ضد العراق) بغض النظر عما يريد بوش او بلير». ربما تتساءل مع نفسك: من هذا القائد العربي صاحب هذا الصوت الحاسم الذي يسمي الاشياء بأسمائها؟ لكن سرعان ما يتعادل لديك الاسف مع الاغتباط حين تكتشف ان صاحب الصوت سياسي اوروبي.. الاسف على ان أكثر القادة العرب لم يتيسر لهم بعد امتلاك الارادة الغلابة حتى تجاه قضايا في صميم المصير العربي.. والاغتباط أن من بين عناصر الطبقة الحاكمة في الغرب تنهض شخصيات لتتحدى الولايات المتحدة في سبيل قضية عربية. ومن فرط استنكاره الهجومي الصريح للتهديد الاميركي الموجه ضد العراق كاد لويس ميشيل وزير خارجية بلجيكا ان يعتبر رصيفه في المواطنة الاوروبية توني بلير رئيس الحكومة البريطانية الذي يعتبر نفسه ممثلا للرئيس الاميركي في اوروبا سبة على الجبين الاوروبي، فقد انتقد بلير علنا ونعته بالخضوع الدائم لواشنطن وفي هذا السياق قال ميشيل ايضا وهو يتحدث الى صحيفة بلجيكية هذا الاسبوع ان بامكان اوروبا ان تنتزع الزعامة العالمية من الولايات المتحدة، وان تتولى المسئولية العالمية من الناحية الاخلاقية والسياسية «الا ان البريطانيين يحولون دون ذلك فهم مازالوا لايفهمون ان بامكانهم القيام بدور رائد في اوروبا بدلا من ان تسير بريطانيا في خضوع وراء الولايات المتحدة». ان من المؤسف ان اكثر القادة العرب يتجنبون الحديث بهذه اللغة الفصيحة رغم ان من المفترض انهم اصحاب القضية بالاصالة. اجل لقد توالت تصريحات خلال الاسابيع الاخيرة من قادة عرب يعلنون فيها معارضتهم» لضربة اميركية محتملة ضد العراق ولكن من يدقق في هذه التصريحات جميعا يكتشف دون عناء ان كلا من هؤلاء القادة وضع لنفسه سقفا بحيث لا ترتفع عباراته المنتقاة الى مستوى استفزاز جورج بوش. فالمعارضة للضربة ليست اعتراضا حاسما من حيث المبدأ، وبالتالي ليست رفضا صريحا وكاملا وحاسما لها، انهم يعترضون على نوايا واشنطن المعلنة تجاه العراق والتي تتمثل في هجوم جوي وبري ضخم لكسر شوكة هذه الدولة الشقيقة والاطاحة بنظامها الحاكم لا لان مثل هذا التوجه يعتبر جريمة نكراء وفقا للقانون الدولي وانما فقط لان الفعل الاميركي قد ينتج عنه زعزعة لاستقرار المنطقة. ان المغزى العام للتصريحات الرسمية العربية يفيدنا بان غالبية الحكومات العربية ليست في الحقيقة ضد مبدأ ضرب العراق واسقاط نظامه بقدر ما هي تخشى، من موقع الحفاظ على الذات، من النتيجة التي سوف تترتب على هذه الضربة على المستوى الاقليمي. وعبارة «زعزعة استقرار المنطقة» معناها باللغة المبسطة المباشرة تفجر الغضب الجماهيري في الشارع العربي.. واحتمال تصاعد هذا الغضب الى مستوى نوعي قد ينذر بالثبور وعظائم الامور اذا طال امد المغامرة العسكرية الاميركية على الارض العراقية. والا لماذا لا تتحدث اكثر الانظمة العربية بنفس اللغة التي يتحدث بها الآن قادة الدول الاوروبية.. ان صوت وزير خارجية بلجيكا لويس ميشيل ليس اول صوت اوروبي رسمي يرتفع ضد الولايات المتحدة في سياق الشأن العراقي.. ولن يكون الاخير، فالرئيس الفرنسي جاك شيراك اعلن ان فرنسا ترفض اي تعامل مع القضية العراقية خارج اطار الامم المتحدة، والمستشار الالماني جيرهارد شرويدر لا يترك اي مناسبة سياسية دون ان ينتهزها ليقول للعالم «ان المانيا لن تؤيد الرئيس الاميركي جورج بوش في اي هجوم على العراق حتى لو لم تسمح بغداد بعودة مفتشي الاسلحة الدوليين». ان من حق الشعوب العربية ان ترتاب في صدقية تصريحات بعض قادتها فاذا كانت هذه التصريحات تعكس موقفا حاسما فما الذي يمنع هؤلاء القادة العرب من تطوير هذا الموقف بفتح حوار مع قادة الدول الاوروبية بغرض تكوين جبهة عربية اوروبية موحدة ضد واشنطن؟ ولماذا لا تتعاون الحكومات العربية مع الحكومات الاوروبية في نزع المبادرة من الادارة الاميركية باعادة قضية العراق الى ساحة مجلس الامن الدولي لمواجهة اميركا بجبهة اعرض تشارك فيها كل من روسيا والصين؟ لماذا؟!