أصبح فن الدعاية هو كل شيء في عالم العولمة، اصبح هذا الفن صناعة مع سبق الإصرار والترصد، ويدخل في كل شيء كالبصل في الطعام والبقدونس في السلطات الشهية، فن الدعاية فن المستحيل يخلق من الفسيخ شربات، كما نقول نحن المصريين الذين نضطر إلى السخرية من أنفسنا عندما نفشل في تقويم ما نراه معوجا، ويصنع فن الدعاية والإعلان كذلك من بائع البطاطا مطربا، ومن سكير سياسيا بارعا يتحدى العالم بجهله، وربما يصنع من الفوضوي أستاذا في فن الاقتصاد.فن الدعاية عندما يقف خلف مطرب لا صوت له يصنع منه فنانا عالميا، وحبذا لو تحالف فن الدعاية مع أموال المافيا، واسألوا فرانك سيناترا وغيره من نجوم هوليوود الذين جمعوا بين الدعاية وأموال المافيا وتملق الصهيونية، وان كانت تلك الأخيرة، أي الصهيونية، ليست في حاجة إلى أن يلجأ إليها الفنان المعدوم الموهبة ليصبح شهيرا، يكفي أن تكون للمافيا علاقة بالمرشح للنجومية ليكون طوع الصهيونية، ومن يتمرد يحرم من جنة الأضواء. لكن هذا الفن، فن الدعاية قد يفشل أحيانا في صناعة الشربات من الفسيخ، خاصة إذا كان الهدف الأساسي من صناعة الشربات سياسيا، أو أن حزبا سياسيا يفتقد إلى الشعبية يحاول أن يصنع شعبيته من خلال صناعة نجم من لا شيء يستخدمه لتحقيق أهدافه السياسية. حدث هذا خلال النصف الأول من هذا العام في إسبانيا، وكانت في بدايتها تجربة فريدة لفتت الانتباه بشدة، كان ذلك عندما بدأ الحزب اليميني الحاكم يشعر بتدني شعبيته المفاجئة، مع أنه كان من المنتظر أن يحدث هذا التدني أو ابتعاد الجماهير عن هذا الحزب آجلا أو عاجلا، لأن معظم من صوتوا له في الحقيقة كانوا يمنحونه أصواتهم تشفيا في زعماء الحزب الاشتراكي الذين انشغلوا عن مشاكل الوطن بحربهم الداخلية على زعامة الحزب، لذلك عندما أفاق الحزب الاشتراكي واستطاع أن يضع قيادته في أيد شابة بدأت الجماهير تعرض عن اليمين وريث كل سياسات الجنرال فرانكو الذي بدأت جرائم حكم سنواته الأربعين تتكشف الآن. برمجة الانتهازية التخوف من فقد السلطة جعل الحزب اليميني الحاكم يحكم قبضته على الإعلام الرسمي للدولة، وبشكل خاص القنوات التلفزيونية الرسمية على الرغم من الرقابة التي تفرضها المعارضة، وبدأ يبحث عن نجوم يستخدمهم في تقديم برامج دعائية مفتوحة على الطريقة الهوليوودية، إلا أن هذه الدعاية كانت مباشرة وفجة وتسببت في مزيد من القطيعة مع الشارع الإسباني. عندها تفتق ذهن صناع الدعاية عن فكرة برنامج خاص مستمر على طريقة برنامج «الأخ الأكبر» يقدم للجماهير وجها جديدا للحكومة اليمينية، وهو وجه انتهاز الفرص المتاحة لتحقيق النجاح، لأي شخص كان وفي أي مجال كان، لم تكن فكرة البرنامج بالطبع موجهة للطبقات المرفهة ذات الحجم المحدود التي تعتبر رصيد اليمين السياسي المضمون، بل توجهت فكرة البرنامج إلى الطبقات الكادحة التي تعتبر بحكم انتمائها الطبقي الرصيد الحقيقي للمعارضة اليسارية في محاولة لاجتذابها من خلال نشر فكرة أن اليمين يعتمد في سياسته على تقديم فرص النجاح لمن يرغب بغض النظر عن إمكانياته المادية. تقوم فكرة البرنامج على اجتذاب الشباب من خلال مسابقات في جميع أنواع الفنون المرئية والاستعراضية بشكل خاص، تتم داخل «أكاديمية» فنية تقوم بالتجول بين مقاطعات البلاد بحثا عن المواهب الشابة وتعليمها وصقلها كل في مجالها، ثم تقديمها إلى الجمهور من خلال حفلات عامة يتم التمهيد لها عبر برنامج تلفزيوني خاص يذاع على الهواء مباشرة ينقل للمشاهدين كل دقائق حياة المشاركين، ويشرك الجمهور في اختيار نجم المستقبل من بين الشباب المشاركين الذين ينتمون في معظمهم إلى الطبقة الكادحة الباحثة عن فرصتها الحقيقية لتكون نموذجا لانتهاز الفرص في ظل حكومة رئيس الوزراء اليميني خوسيه ماريا ازنار. بدأ البرنامج محاطا بدعاية رسمية واسعة من خلال لقاءات مع السياسيين الحكوميين يتم التركيز فيها على إمكانية تحقيق الشهرة من خلال التسابق «النظيف» بعيدا عن الانتماء الطبقي أو السياسي، واعتبره بعض الوزراء والمتحدثين الرسميين للحكومة نموذجا يحتذى في جميع المجالات. نجحت الفكرة في البداية بسبب وصول فتيان وفتيات ينتمون إلى طبقات الكادحين إلى التصفيات النهائية التي تؤهلهم للتمتع بفرصة ذهبية من خلال شركة فنية قطاع خاص مدعومة من الحكومة بالطبع عبر مشاركة القناة التلفزيونية الرسمية. كانت النجومية في الغناء صاحبة النصيب الأكبر في هذه المسابقات، وكان التلفزيون يذيع على الهواء مباشرة التدريبات الصوتية والموسيقية لصقل مواهب هؤلاء الشباب، وكل أسبوع يتم تصفية أحد المشاركين من خلال استخدام التصويت الشعبي «المباشر» على المشاركين. كان واضحا أن الدعاية الرسمية موجهة لاختيار فتاة تتمتع بمواصفات خاصة لتكون «سندريلا» هذا البرنامج السياسي المغلف بالفن، أو المموه بالفن، لأن السياسة كانت دائما في الخلفية، تظهر وتختفي حسب صعود وهبوط مؤشر جماهيرية البرنامج مقارنة بالبرامج الفنية الأخرى التي يذيعها التلفزيون الحكومي أو تلفزيون القطاع الخاص. وأخيرا وبعد أشهر ظهرت «سندريلا» الغناء في شكل فتاة شابة تنتمي إلى أسرة على قد حالها تعيش في قرية صغيرة من مقاطعة الأندلس الجنوبية، كان الاختيار محكما من الناحيتين الفنية والسياسية. من الناحية الفنية لأن الفتاة تنتمي إلى منطقة الأندلس الغنية دائما بالمواهب الموسيقية التي سرعان ما تلفت الأضواء بسبب بساطة أهلها وتمتعهم بالشيء الأهم وهو «الفقر» الذي يدفع الإنسان دائما إلى التفوق على نفسه وعلى الآخرين لتحقيق حياة أفضل، ومعروف تاريخيا أن الأندلس منبع الفن الذي لا ينضب، مد أسبانيا لقرون طويلة بالمئات من الفنانين في جميع المجالات. ومن الناحية السياسية اختيار فتاة من الأندلس يخدم فكرة الحكومة اليمينية تماما، لأن الأندلس تعتبر المنطقة القريبة من الحزب الاشتراكي المنافس، وتعتبر من مناطق نفوذه التقليدية التي لم ينجح الحزب اليميني الحاكم في اختراقها طوال الربع قرن الذي مر على قيام الديمقراطية في اسبانيا، ويبدو أن تلك المنطقة عصية على اليمين لأن ارث سياسات اليمين القديم هناك لها تاريخ أسود لا يمكن نسيانه، ولا نسيان ضحاياه الذين لم يسلم منهم بيت واحد، فضحايا الأنظمة اليمينية السابقة دماؤهم موزعة على كل بيوت الأندلس. مناورة فاشلة كان اختيار «روسا» الغرناطية ذات اللهجة الأندلسية المعروفة مطابقا لكل المواصفات التي وضعها مصممو الدعاية والإعلان في التلفزيون الإسباني لصناعة «سندريلا» حديثة تكون نموذجا لفتاة اليوم، وانتهاز الفرص المتاحة التي يمكن توظيفها سياسيا لحساب الحزب اليميني الحاكم. ونجحت روسا الأندلسية في التفوق في التصويت الأخير على زميلات لها أخريات في أكاديمية الدعاية والإعلان المذاعة على الهواء مباشرة طوال أربع وعشرين ساعة في اليوم، ومن بين رفيقاتها من درسن الموسيقى دراسة أكاديمية وعلمية، ولهن أساتذة في فن الموسيقى والغناء، ولكن الجمهور اختار ما أراد أن تكون نجمته المفضلة للسنوات المقبلة، أو بمعنى أصح اختار ما أراده المشرفون على البرنامج. كانت النتيجة مبهرة سياسيا حتى أصبح وزراء الحزب الحاكم يبدأون مؤتمراته الصحافية بالرد على أسئلة حول ما حققته «روسا» من إنجاز في الأكاديمية التي تعدها كنجمة المستقبل، فيؤكد الوزراء في ردودهم على أسئلة الزملاء الصحافيين على أن ما حققته هذه الفتاة المغمورة ما كان له أن يتحقق في ظل حكومة أخرى من لون آخر، وأن سياسات حزبهم قادرة على خلق الشربات من الفسيخ، ولولا هذا البرنامج الذي تبنته القناة التلفزيونية الحكومية بتوجيهات منهم لكان مستقبل روسا أن تكون بائعة دجاج مشوي في المطعم الذي كان والدها يعده لها لو أنها فشلت، وفي أفضل أحوال لظلت مطربة قروية تغني في المناسبات والأفراح في القرى المجاورة لقريتها مقابل وجبة العشاء لها ولفرقتها الموسيقية. ظلت ماكينات الدعاية والإعلان تعمل لعدة أشهر بكامل طاقتها، وتحولت روسا البدينة إلى فتاة رشيقة وبدأت صورها تغطي واجهات معارض بيع الاسطوانات الكبرى وأعدت لها الشركة المنتجة برنامجا موسعا لترويج أولى اسطواناتها على مستوى البلاد. بعد ذلك بدأ إعداد روسا الغرناطية لتكون نجمة على مستوى دولي من خلال تمثيلها لاسبانيا في مهرجان الغناء الأوروبي «ايروفيزيون» السابع والأربعين الذي جرى عقده في مدينة «تالين» الاستونية، في مايو الماضي، وبدأ الإعداد لأغنية خاصة تكون روسا مطربتها الأولى، فيما يشكل زملاؤها في أكاديمية الشهرة الكورس الذي يردد من ورائها مقاطع معينة، وإمعانا في العالمية تم إعداد أغنية مختلطة باللغتين الإنجليزية والإسبانية تسهيلا على المستمعين الأجانب في فهما، وحتى تستطيع الفوز بأعلى الأصوات، وبدأ الحديث عن تحقيق المركز الأول، فالمطربة لا تمثل فقط فن بلادها بل تمثل سياسة حكومة بلادها من هنا تم وضع جميع الإمكانيات تحت تصرف متعهديها لتحقيق هذا الهدف السياسي الأساسي من هذا البرنامج. عندما جاء دور روسا في الغناء في الساعة التاسعة والدقيقة الحادية والعشرين من مساء السبت الخامس والعشرين من مايو الماضي توقفت حركة المواصلات في معظم أنحاء اسبانيا، وتجمعت الجماهير أمام شاشات التلفزيون العملاقة التي أقيمت في الساحات والميادين العامة لتستمع إلى سندريلا الغناء الاسباني التي صنعتها سياسة الحزب اليميني الحاكم. انتهت روسا من أداء الأغنية التي أعدت لها وبدأ القلق على الوجوه في انتظار النتيجة، وكانت أكثر الوجوه امتقاعا انتظارا للحظة الحاسمة وجوه الرسميين في وزارة الثقافة والتعليم والتلفزيون الذي كان فوزها أو خسارتها يعني نجاح سياسة الحكومة أو فشلها. إلا أن فوز روسا بالمركز السابع في المهرجان أجهض «المناورة» الحكومية التي قررت على الفور التنصل من الأسطورة التي كانت تريد صنعها، وقبل أن ينتصف نهار اليوم التالي وجدنا الوزراء يهربون من الموضوع الذي كان كاللبانة على ألسنتهم طوال أشهر عديدة، بل أن وزيرة التعليم والثقافة شنت هجوما غير مبرر وبدون مناسبة على المطربة الشابة، واعتبرت فشلها يعود إلى النموذج التعليمي الذي كانت تطبقه الحكومات الاشتراكية التي حكمت اسبانيا في الفترة من عام 1982 إلى 1996(!). فن الدعاية والإعلان له دور سياسي في زماننا هذا، بل دوره أكبر في الدول الديمقراطية من الدول الدكتاتورية، لكنه مثل كل شيء في الحياة يمكن أن يحقق نجاحات وكثيرا ما يفشل أيضا، وروسا الغرناطية كانت تحلم بالنجاح بغض النظر عن لون الحكومة التي تدعمها، لكنها لم تكن تعلم أن فشلها سيطردها من جنة الحكومة اليمينية. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا tshahin@maktoob.com