تقول مجلة ريدرز دايجست: «ان كثيرا من الناس يستدعون الطبيب لا ليفحصهم بل ليستمع اليهم». ان الحاجة الى الاستماع ، هي احدى الحاجات الانسانية التي يمثل وجودها عامل تشجيع ودفعا معنويا للانسان لانه يؤكد لدى الشخص الباحث عمن يستمع لشكواه ان هناك من يكترث له ويهتم به ولو كان ذلك الاهتمام لا يتجاوز اكثر من مظهر واحد هو الاصغاء والاستماع، واعطاء الفرص للطرف الآخر لكي يعبر عما بداخله دون ان يقاطع او يشعر انه شخص غير مرغوب به حين ينفض الناس من حوله، ويبحث عن اذن تسمع فلا يجد احدا على الاطلاق!! ولان الاذن المفتوحة تعني قلبا مفتوحا، فإن الحاجة الى ان يتحدث الانسان بما لديه تحمل في داخلها معنى البحث عن مكان في قلب ذلك الشخص الذي يهمه ان يستمع ويفهم ثم يشارك في ايجاد الحلول العملية القادرة على اصلاح الخلل واستدراك الوضع المتأزم. وأذكر أنني فوجئت بسؤال من احدى المشاركات في دورة تدريبية تختص بفن التعامل مع الطالبات حول السبب الذي من اجله يذهب الناس الى الطبيب النفسي، فلما اجبتها بأنهم يذهبون للعلاج من مشكلة يمرون بها، وتستعصي على الحل، كان جوابها انهم يذهبون لسبب واحد فقط، هو ان يصغي اليهم ذلك الطبيب. ثم أضافت قائلة: هل تعلمين لماذا يرغب الناس في الدورات التدريبية، وأصبح جمهورها اكثر من جمهور المحاضرات؟ فأجبتها لأسباب كثيرة منها ان الدورة التدريبية تفتح المجال للنقاش والحوار، ويسهل بذلك على المشارك ان يستوعب النقاط التي يتعرض لها مقدم البرنامج كما انها تفتح له المجال ليسأل عما صعب عليه من مسائل تتعلق به وباهتماماته وتطلعاته. فكان تعليقها: هو ذاك. ان الناس يبحثون عمن يصغي لهم، ويستمع لما لديهم من اسئلة وملاحظات، ثم يفتح لهم المجال لكي يبدوا رأيهم فيما سمعوا من ردود قد يتفق او قد يختلف معهم. ولا أخفي سرا اذا قلت انها اكدت بحماسها الشديد لدور الاصغاء في انجاح العلاقات الانسانية، وفي اشعار الفرد بقيمته وأهميته بأن هناك جوعا حقيقيا لدى كثير من الناس لكي يفتح لهم المجال للتعبير عما بداخلهم. كما أنها أشعرتني ايضا ان دوائر قريبة من الانسان قد تكون عاجزة عن تحقيق تواصل حقيقي، وتوليد الطاقة المعنوية الكافية التي يمكن من خلالها ان تفتح قنوات الحوار بسهولة وبدون شعور بالقلق او الارتباك. هل هي أزمة في طرق التعامل الاجتماعي تصعد من أزمات اخرى تشمل كياننا، وتأخذنا بعيداً عن الشعور بالطمأنينة والسكينة وراحة البال!!أ م انها «أزمة ثقة في العلاقات الخاصة» تدفع بالانسان ان يختار الصمت بدلا من ان يتحاور مع أقرب الناس اليه.أ م أنها «أزمة في الوقت» جعلت الأفراد ينشغلون عن الاهتمام ولو الى نسبة معقولة بما لدى كل منهم، وقادتهم الى اهمال أمور غاية في الحساسية والقيمة.أ م أنها ظاهرة فتور في العلاقات الانسانية تؤثر بشكل سلبي على الفرد وتصيبه بحالة من الاكتئاب والشعور بالوحدة حتى ولو كان وسط المقربين منه. ومن الذكريات التي لا أنساها حول موضوع اهمية الاصغاء الى الاطراف القريبة من الانسان، ما حدث معي اثر احدى الحلقات الاذاعية التي تناولت أهمية الاصغاء وآثاره الايجابية في تحسين العلاقات الاسرية. فقد اتصلت بي سيدة تثمن ما سمعت من افكار تثري العلاقة الزوجية، وتساعد على استمرارها ونموها ثم قالت بعين دامعة: صدقيني لدي حاجة ماسة لان اتحدث مع اي شخص اثق به حول مشاكلي وهمومي. فزوجي لا يصغي الي رغم انه هو السبب المباشر في تدهور حالتي النفسية، واصابتي بالقلق والتوتر والشعور بالاحباط!! لقد ظلت المرأة تتحدث وهي تبكي بحرقة وألم لا لشيء إلا لأن موضوع الاصغاء والاستماع الى الآخرين أثار لديها شجونا، وحرك مشاعر حزينة تحت الرماد الساخن. ترى هل تمثل مشكلة هذه المرأة حالة استثنائية في طبيعة العلاقة الزوجية في مجتمعاتنا، أم أنها نموذج لحالات اخرى اكثر وضوحا ودلالة على انهيار الروح المعنوية وانخفاض مستوى الطموح في تحقيق قدر مناسب من التواصل النفسي بين قطبي الاسرة، والعجز عن ايجاد حلول جوهرية لحالة قلة الاكتراث بالطرف الآخر او الاحساس بما لديه من ملاحظات وآراء حول سلوك الشريك في هذه المؤسسة الكبرى. ان الاصغاء الفعال هو الطريق الاقرب الى انجاح دائرة العلاقات الخاصة والعامة على حد سواء.