في حياة كل منا شخصيات تظل عالقة في الذهن مهما تباعدت الأيام واتسعت المسافات ومن هؤلاء الاستاذ خليل. ورغم ان وظيفة هذا الرجل الرسمية، كانت تدريس لغة الضاد لتلاميذ المرحلة الابتدائية باحدى القرى في النصف الأول من سبعينيات القرن الفائت، الا ان دوره كان يتجاوز الوظيفة الرسمية بكثير. فهو مدرس التربية الرياضية ورائد فرق الاشبال والمشرف على برامج المسابقات الثقافية وأنشطة الصحافة المدرسية وغيرها من الأنشطة المتعددة التي كان يبرع فيها بشكل يثير الاعجاب والتقدير. واذا ماتأملت بنية الاستاذ خليل التي تحمل كل هذه الطاقة الجبارة تعجب، اذ ان طوله لم يتجاوز المائة والستين سنتيمترا بوزن ربما لا يتخطى الخمسين كيلو غراما، ومع ذلك كان لدى الرجل قدرة خارقة على مواصلة العمل بحماس منقطع النظير طوال اليوم الدراسي وحتى بعد انتهائه. لم تكن وقتها آفة الدروس الخصوصية قد استشرت بهذا النحو المستعصي على الفناء.. لكن هذا الاستاذ كان لا يتوانى - وبدون مقابل - على مساعدة تلاميذه وأبناء قريته القابعة في حضن ريف محافظة البحيرة بشمال مصر، في الاستذكار واستيعاب ما تعجز عقولهم الصغيرة عن فهمه في كافة المواد الدراسية وليست اللغة العربية وحدها وهي مادة تخصصه الاساسية! وسط مساحة خضراء مترامية الاطراف تشكل حديقة عامة تسمى (المستعمرة) وتلتقي مع ضفة النيل الخالد في جهته الغربية بالقرب من احدى القناطر المقامة على النهر قرب رشيد، كان الاستاذ خليل يتصبب عرقا وهو يقودنا في تدريب شاق استعدادا لخوضنا تصفيات ألعاب القوى في اليوم التالي والتي كانت تنظمها الادارة التعليمية للمدارس التابعة لها والتي تفوق الثلاثين مدرسة. صفارة حول العنق وحذاء رياضي من النوع الرخيص الذي يباع في محلات القطاع العام وزي رياضي بسيط هذه هي أدواته في التدريب، لكن الادوات الأهم كانت في فؤاده الذي مكنه من زرع المحبة في قلوب تلاميذه فكانوا يدورون في فلكه ولا يحيدون عن تعليماته. ومن الانتصار في الرياضة الى ساحة المسابقات الثقافية.. ركبنا قطار الدرجة الثالثة المتجه من رشيد الى دمنهور عاصمة المحافظة، ليحتل فريق الوعي القومي بمدرسة وادي النيل الابتدائية المشتركة بأدفينا صدارة الفرق المشاركة في واحدة من أهم الانشطة الطلابية التي وضعت اليد على ملكات كل عضو في الفريق الذي كان يتشكل من أربعة تلاميذ واثنين في الاحتياط. اسئلة المسابقات كانت تدور بالكامل حول مادة التربية القومية.. معلومات سياسية وتاريخية وجغرافية جميعها ينصب على الوطن العربي الكبير وما يربط ابناءه من تاريخ ومصير. وأتذكر انني عندما دخلت مبنى جامعة الدول العربية بالقاهرة في بداية الثمانينيات وقد اصبحت خادما في بلاط صاحبة الجلالة، لم تضل قدمي الطريق الى اغلب حجرات وطرقات المبنى على تعددها.. فقد رسم الاستاذ لنا صورة متخيلة عن أهم ادارات الجامعة حتى حفظناها عن ظهر قلب وان لم نرها وقتها رأي العين وأحسب انه هو ذاته ربما حتى الآن لم يشرف بدخول هذا المبنى العتيد. حماس الاستاذ خليل للعرب والعروبة كان فطريا، لا تقوده أية دوافع ايديولوجية أو أهداف سياسية.. فلم يكن الرجل منتميا للاتحاد الاشتراكي (التنظيمي الرسمي) وقتها أو أية تنظيمات سياسية غير رسمية وربما هنا يكمن سر نجاح الرجل في زرع الأفكار النقية التي لا تحمل تعصبا أو غرضا وبالتالي ضربت بجذورها بيسر في عقول أغلب تلاميذه الذين تفرقت بهم السبل فيما بعد فأصبح منهم الطبيب والمهندس والضابط وكاتب هذه السطور. والأهم ان رحلة الاستاذ خليل لم تقف عند حدود البقاء مدرسا للمرحلة الابتدائية والى الابد كما هو الحال لمعظم اقرانه، لكن طاقة الرجل العقلية وطموحه الذي لم يكن يحده شيء أوصلاه الى قلب الجامعة التي طالما حلم بالوقوف في احدى قاعاتها محاضرا. ومنذ أشهر قليلة التقيت صدفة بزميل دراسة قديم من قرية هذا الاستاذ التي رحلت عنها بمجرد حصولي على الابتدائية، وهنا كانت الاخبار التي شعرت تجاهها بسعادة حقيقية انطلاقا من القول المأثور (لكل مجتهد نصيب) فقط قطع الاستاذ خليل مشوارا طويلا مع الدراسة الى جوار عمله في المدارس الابتدائية واستطاع خلال سنوات السبعينيات واوائل الثمانينيات ان يحصل على الثانوية العامة وليسانس الاداب متخطيا شهادته الأولى من مدرسة المعلمين.. وفي بداية التسعينيات كانت النقلة الكبرى في حياته بحصوله على درجة الدكتوراه من جامعة الاسكندرية بتقدير ممتاز. تحية للاستاذ الذي يواصل حتى الآن دوره في حقل التدريس وان كان هذه المرة وسط طلاب جامعة الاسكندرية الذين قد لا يعرف أي منهم قصته مع مدرسة وادي النيل الابتدائية التي كانت اللبنة الأولى في رحلة نجاح لأستاذ وتلاميذه!