لما ظهر سيف بن ذي يزن على اليمن وظفر بالحبشة نفى اهلها عنها، وذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، اتته وفود العرب واشرافها وشعراؤها تهنئه وتمدحه وتذكر ما كان من بلائه في طلب ثأر قومه، فأتاه وفد قريش وفيهم عبدالمطلب فاستأذنوا عليه فأذن لهم، فاذا الملك متضمخ بالعنبر ينطف (يقطر) وبيص (البريق واللمعان» المسك من مفرقه، وعن يمينه وعن شماله الملوك وابناء الملوك والمقاول، فلما دخلوا عليه دنا منه عبدالمطلب فاستأذن في الكلام، قال له سيف بن ذي يزن: ان كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد اذنا لك. فقال عبدالمطلب: ايها الملك ان الله قد احلك محلا رفيعا، شامخا منيعا، وانبتك منبتا طابت ارومته، وعذبت جرثومته، وثبت اصله وبسق فرعه، في اطيب موطن واكرم معدن، فأنت ـ ابيت اللعن ـ رأس العرب وربيعها الذي تخصب به، وانت ايها الملك رأس العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد أشخصنا اليك الذي ابهجنا لكشف الكرب الذي فدحنا، ونحن وفد التهنية لا وفد المرزية. فقال سيف بن ذي يزن: وأيهم انت ايها المتكلم؟ قال: انا عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف؟ قال: ابن اختنا قال: نعم، فادناه ثم اقبل عليه وعلى القوم وقال: مرحبا واهلا، وناقة ورحلا، ومناخا سهلا، قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، انهضوا الى دار الضيافة والوفود فأقاموا شهرا لا يصلون اليه ولا يؤذن لهم في الانصراف، ثم انتبه لهم انتباهه فارسل الى عبدالمطلب دونهم، فلما دخل عليه ادناه وقرب مجلسه ثم قال له: يا عبد المطلب اني مفوض اليك من سر علمي ما لو غيرك يكون لم ابح به ولكن وجدتك معدنه فاطلعتك طلعه، فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه. قال: اذا ولد بتهامة، غلام به علامة، بين كتفيه شامة، كانت له الامامة، ولكم به الزعامة الى يوم القيامة، اسمه محمد يموت ابوه وامه ويكفله جده وعمه.