لا تندهش كلما صدعت أذنيك المصطلحات التي يلوكها مقدمو برامج المكايدات التلفزيونية الفضائية، بسبب وبدونه، في اصطناع ساذج لبرامج الحواريات، فقط توقف لحظة وتفكر ملياً في المواضع التي تزج فيها بالخطأ تلك المصطلحات، وتساءل عن مغزاها، واغلق جهاز تلفازك، وحاول الاستعانة بأي كتاب أو مجلة أو صحيفة أو معجم بحثاً عن المعنى الحقيقي والاصطلاحي للكلمة الجديدة، واشغل نفسك بشيء مفيد، وتيقن ان جهدك سينتقل بك من مرحلة المشاهد السلبي لتلك المكايدات الكلامية، التي تتحول الى مناحة أو كلمة وضجيج بلا طحن، وستصبح فاعلاً ومسلحاً بقدر معرفي نقدي، يمكنّك من اكتشاف السر، ومعرفة قدر من الحقيقة، ولا تأسف وقتها على ما ضاع من وقتك وأنت جالس لا حول لك ولا قوة، أمام الصندوق المربع، يفترسك محترفو الثقافة الشفاهية، ومضغ كل مصطلح جديد، دون هضمه. وحتى لا تظن بي ظن السوء، وتضعني في خانة الموتورين من فضائياتنا ومكايدات بعض نجومها، سأروي لك حكاية بسيطة جداً لها دلالتها، فلقد انشغلت لفترة طويلة بمتابعة اشهر هذه البرامج على شاشاتنا، ومحاولة البحث عن أصولها أو شبيهاتها على الشاشات الأجنبية مثل: «واجه الصحافة» البرنامج الأميركي الشهير، أو «صباح الخير يا أميركا» وغيرها.. ووجدت ان المذيع أو المذيعة (عفواً الاذاعية أو الاذاعي) الأميركي من مقدمي برامج الحواريات، لهم طرق ومناهج في التحضير للقاءاتهم، احيانا تصل لفترة ستة شهور في الاعداد للقاء مع شخصية مهمة، مثلما تفعل باربرارا والترز نجمة الشبكات التلفزيونية الاميركية، ولها كتاب أهم في فن الحوار التلفزيوني، طبعاً لا أنصح محترفي إثارة صراعات الديكة الصاخبة بقراءته. أما برامج المكايدات على شاشاتنا الفضائية فتكتفي بالاعداد السطحي، ورؤوس الموضوعات الجاهزة، المطعّمة بمصطلحات من باب إدخال الرهبة في قلب المشاهد، ومحاولة إقناعه بأن الموضوع خطير وثري لاغراء الضيوف باللهاث للمشاركة، على أمل خوض تجربة حوار حقيقي، حتى يفاجأوا بأنهم ضحية، وان ما تورطوا فيه لا علاقة له بالحوار الذي تتلاقح فيه الأفكار، وتُخصّب الرؤى، وتتسع، وتثري به معارف المشاهدين وأنهم ـ إن كانوا حقاً أصحاب مواقف ومباديء ـ تحولوا على يد محترفي المكايدات التلفزيونية إلى أدوات للإثارة، وتبادل الطعنات الكلامية، والجمل الناقصة، والافكار المشوشة، والاحكام المطلقة، في مشهد يذكر بخناقات الاسواق الشعبية والمقاهي! المفروض ان تقدم حواريات الفضائيات العربية دوراً ثقافياً وتنويرياً للمشاهد، وللحقيقة فإن هناك قلة حفرت بجهد ودأب وخلفية معرفية نجاحها، وتميزت ببرامجها وضيوفها، لكن الحديث هنا يتطرق إلى ضرورة بروز تيار عام، وارساء تقاليد وخلق محفزات للتميز، لن يتحقق إلا بتأسيس مرجعيات مهنية يحتكم اليها في التقييم، حتى لا تترك الساحة للأعلى صوتاً، حتى إن أخفى وراءه خواء ووهماً. ويبدو أن ما تسببه بعض المكايدات التلفزيونية لنا من صداع، قد جار على الهدف الاساسي وهو نقد تداول المصطلحات وحشرها في أحاديثنا، دون مبرر، واحياناً خلافاً لأي ضرورة، وفي غير مواضعها، مثلما يحدث مع المصطلح المتفشي في أحاديثنا حاليا: العولمة حتى عندما يكون المقصود هو «الأمركة» مثلاً، أي أمركة «العالم ثقافياً عبر الكاوبوي» أو «الماكدونالدز» وخلافه... ولهذا قصة أخرى.