لا أظن أن أحدا يقرأ الآن كتابات إبراهيم عبد القادر المازني رغم أنه كان أحد أعمدة مدرسة «الديوان» التي كان ضلعها الأشهر عباس محمود العقاد، والذي مازال يقرأ، لما تركه من أعمال مهمة. أما المازني فكان ينحو إلى الخفة، وكثيرا ما كان يكتب لتسلية قارئه، أو للارتزاق وكان المازني من أوائل الذين كانوا يطبعون مقالاتهم على الآلة الكاتبة. وكان هذا تقليدا لكتاب الغرب الذين كانوا يظهرون في الأفلام السينمائية وهم يحملون آلة كاتبة وكأنها حقيبة أوراق. وحاول بعض الأدباء العرب تقليدهم ومنهم المازني.لكن الأدباء العرب اكتشفوا صعوبة الكتابة على الآلة الكاتبة باللغة العربية التي تكاد من المستحيل التفكير والكتابة في مرحلة واحدة ولسوء حظي حاولت مبكرا الكتابة على الآلة الكاتبة. وبعد شهور كتبت قصة قصيرة. وكانت أول وآخر ما كتبت. ولأن المازني كان يكتب على الآلة الكاتبة فكان يعرف عدد الكلمات المكتوبة، وهي «موضة» أيضا انتهت فلقد كان البعض يطلب مقالا أو قصة في كذا كلمة. وهو أيضا تقليد للغرب فعدد الكلمات أوضح عند الكتابة على الآلة الكاتبة. وكان المازني عندما يصل إلى الرقم المطلوب يتوقف! وبالطبع لا تكون النهاية طبيعية للمقدمات التي بدأها إلا نادرا، وهو ما نلاحظه الآن لدى بعض كتاب «العواميد» في الصحف. وبهذه الطريقة العشوائية كتب المازني كتابا كنت مفتونا به في صباي هو «إبراهيم الكاتب» بعد أن كنت مفتونا في طفولتي بروايته «عود على بدء». و«إبراهيم الكاتب» ليست رواية حتى بمعنى الزمن الذي كتبت فيه وأظنه الأربعينيات، فقد تقرأ فصلا في الرواية، ثم تجد فصلا آخر مترجما، وتعود إلى فصل في موضوع مختلف وربما لو كان المازني كتبها في سنتنا هذه لوجد من النقاد من يحييه على هذه التجربة الروائية الرائدة. ولكن المازني وجد حملة عنيفة من النقاد ولن يأبه للنقد، ومن الغريب انه كان من أهم نقاد زمانه ومن الصعب دراسة حركة الإبداع والنقد في القرن العشرين دون التوقف عنده طويلا. وكان من أمتع فصول الرواية حديثه عن «أحمد الميت» يصف المازني رحلة قروية على ظهر حمار. وكانت الرحلة ليلية والليل في الريف إذا غاب القمر كان حالك السواد، خاصة وأن الكهرباء لم تكن قد دخلته بعد ورغم أن سكان الريف ناس طيبون إلا أنه كانت هناك بعض المخاطر، فقد يكون هناك لصوص أو قطاع طرق أو إطلاق رصاص عشوائي. وقد تكون هناك «حفر» لا يراها الحمار في الظلمة فيسقط، ويسقط معها راكبه. وحتى ركوب الحمار يتطلب شيئا من المهارة. وكان حامي المازني في رحلته الليلية هو «أحمد الميت» الذي كان يسير إلى جواره لكنه بدلا من أن يطمئنه زاده قلقا على قلق. فلقد كان غير واضح المعالم، كما كان صامتا لا ينطق. ورأى المازني أن يكسر حاجز القلق فسأل تابعه عن اسمه ورد الرجل: أحمد الميت ! ولك أن تتخيل تلك الإجابة في ليلة مظلمة وسط مزارع ممتدة إلى حيث لا تعرف ولا صوت هناك سوى صوت الجنادب. وتمالك المازني نفسه وسأله عن سبب تسميته بهذا الاسم الغريب. فقال له الرجل ببساطة: لأنني مت من قبل ! وكنت عندما أقرأ ما كتبه المازني أغرق في الضحك وينتابني في الوقت نفسه إحساس بالدهشة وربما بالانزعاج. ولم أدرك السبب في ذلك إلا فيما بعد فلقد كانت هذه هي المرة الوحيدة التي أضحك فيها لذكر الموت فالموت في الريف المصري حزن جليل يعيشه الإنسان منذ حدوثه وإلى الأبد. وعندما يموت شخص في القرية تحرم الافراح سواء كانت عروسا أو مولد ذكر أو خروج محبوس من السجن وتتعطل الراديوهات وبعدها التلفزيونات ومن يضبط وهو يبتسم أو يسمع الراديو حتى لو كان يسمع أخبارا، يكون قد أعلن القطيعة مع أهل المتوفى، وخلع نفسه من المنظومة القروية. ولقد نشأت في بيت يحرم فيه الحديث عن الموتى إلا بصيغ متفق عليها، غالبا هي الترحم على الموتى وذات مرة تحدثت وأنا طفل عن جدي الذي كان يعطيني الحلوى كلما رآني. وتوقفت لأرى عيونا تملأ المكان ترقبني. صمت خائفا وأخذني أحد من أهلي إلى الخارج لألعب بعيدا عن المكان. كان المازني أول من أضحكني على أكبر خوف في حياة البشرية وهو الموت وأظن أن حديثه عن أحمد الميت كان اللبنة الأولى في تكوين تفكيري عن أعظم ما يواجه الحياة الإنسانية. فأنا أحيانا أتحاور مع الراحلين وأتذكر نوادرهم قبل حكمتهم. وأذكر أنني وبعض الأصدقاء التقينا صدفة لنكتشف أننا لم نؤد واجب العزاء في زميل لنا رحل هو الكاتب سيد موسى وكان من كتاب التلفزيون في فترة الستينيات ونشط في السبعينيات وكتب مسرحية ناجحة من مسرحيات الثقافة الجماهيرية، وكان من اشهر رواد مقهى «ريش». وبدأنا بالتأكيد بكلمات الحزن، فلقد افتقدنا سيد، ولكن بعد لحظات بدأنا نتذكر نوادره وهي كثيرة، فأغرقنا في الضحك. وقررنا دون ترتيب أن نقيم الليلة تأبينا لسيد موسى وذهبنا جميعا إلى أحد الفنادق لنتعشى ونتذكر سيد موسى ونضحك أحيانا. وفي وقت متأخر خرجنا من الفندق فتوقف أحدنا وقال: رجاء إذا مت فأقيموا لي تأبينا كهذا ! وقبل مرور عام مات صاحبنا، وكان أصغر منا بكثير. وحسب وصيته حاولنا أن نقيم له مأتما مشابها، لكننا فشلنا لأن لم يكن في حياته طرائف مثلما كان في حياة سيد موسى الذي كان يجمع بين الذكاء والبساطة والحيلة والصراحة. وإذا كنت من قراء هذه الزاوية أو ممن قرأ لي ولو ثلاث مرات ستدهش لأنني أتحدث عن الموت فهو ليس من الموضوعات التي أتحدث فيها في هذا المكان فأنا أظن أن قارئ الاستراحة يتوقع حديثا «لطيفا» ولتكن آخر مرة أستخدم فيها كلمة «لطيف» فلقد سخر أولاد العائلة مني لكثرة استخدامي لهذه الكلمة ولما تأملت نفسي اكتشفت أنني استخدمها كثيرا للهروب من كلمات أخرى مثل: عظيم، ورائع، وممتاز، فلقد أصبح صعبا أن نجد ما يوصف بهذه الكلمات. ولقد اقتربت من هذا الحديث لسببين. الأول هو وفاة أبو نضال فلقد التقيت صبري البنا عندما كان يدرس في القاهرة، وكنت أراه شابا رقيقا.. ولن أقول «لطيفا» فلقد وعدت أن أفعل.. ولم تكن كنيته معروفة بعد.. وعندما اشتهرت أعماله لم أربط بين صبري البنا وأبو نضال. حتى قابلني مخرج تليفزيوني وهمس بأن أبو نضال يسلم علي، ولك أن تتخيل مدى ذعري عندما سمعت هذا. فأنا أخرج من الفيلم السينمائي إذا رأيت أحدا يضرب طفلا، ويغمى علي عندما أرى دما، ولا أدخل المستشفيات لزيارة أحد إلا تحت ضغط كبير وبحماية شخصية ولا أركب طائرة إلا وأنا أموت رعبا. وظننت أن صاحبي يمزح لكنه كان قد قابله في قصة فكاهية، ذلك أنه اختار مكانا للتصوير بجوار بيت كان يسكنه.وظنوا أنه يتجسس عليه لكن عندما اكتشفوا حقيقته. واكتشف هو أيضا حقيقتهم قابله أبو نضال وتذكر «صديقه» الذي يكتب الآن سيناريوهات واقسمت للمخرج أنه ليس صديقي إنما كانت مجرد معرفة عابرة. وأمام القراء الاعزاء أقسم مرة أخرى. وعندما قرأت خبر وفاة أبو نضال فكرت في طريقة التأبين التي ابتكرناها وكلمت المخرج لنلتقي فإذ به مسافر إلى بلد آخر أما السبب الثاني لهذا الحديث أن «صديقا» لنا قد توفي ولم نعرف بذلك إلا متأخرا بعض الشيء أنا كنت مسافرا، وصديق آخر أقسم أنه يقرأ الوفيات يوميا ولم يقرأ النعي. واتضح أن هذا صحيح فأهله على غير المتوقع لم يفعلوا هذا. وذهبنا إلى البيت وجلسنا مع أهله زهاء ساعة، لم نذكر «الفقيد» فيه بشيء سوى أنه كان رجلا طيبا، وهي رتبة نعطيها لمن نريد. وحتى أهله لم يتحدثوا عنه. ولما خرجنا: صديقي وأنا انفجرنا فجأة في الضحك وقال صديقي: عرفنا أبن ال.. هذا أربعين عاما لنكتشف الآن أنه لم يفعل شيئا في حياته سوى الأكل والنوم وزيارة الحمام. أردت أن أختم الزيارة بحكمة. فقلت له: يهب لنا الله كنوزا هي الحياة، لكننا نبددها. وظننت أنها حكمة «لطيفة»!