منذ أربعين عاما، اصبح اسم الصحفي الاذاعي الأميركي (ادوارد مورو) ملء الاسماع ومحور الاهتمام.. رحبت أوساط الاعلام في الولايات المتحدة بقرار رئيسها المثقف جون كينيدي تعيين (أدوارد مورو) مديرا لوكالة الاعلام الاميركية. كان الناس يعرفون اسم الرجل - المخضرم منهم بالذات - بفضل سلسلة الأحاديث التي كان يذيعها من راديو لندن خلال اصعب سنوات الحرب العالمية الثانية، لاسيما في غمار هجمات النازي الشهيرة التي دمرت كثيرا من احياء ومرافق عاصمة الانجليز في عام 1940 دون ان تدمر الروح المعنوية للشعب الانجليزي. وعندما عاود (ادوارد مورو) نشاطه في أميركا حدثت واقعة غزو كوبا الفاشل التي خابت فيها مخططات المخابرات المركزية الاميركية ضد ثورة كوبا الفتية وزعيمها - الشاب وقتها - فيديل كاسترو.. وكانت النتيجة البديهية، في ذلك الحين هي اهتزاز صورة اميركا بجلالة قدرها، بل اهتزاز مكانتها بوصفها الدولة الكبرى بل العظمى زعيمة المعسكر الغربي المنافس الشرس والمقتدر للاتحاد السوفييتي زعيم المعسكر الشرقي في تلك الايام. وسط أزمة المصداقية.. اختار الرئيس كينيدي رجل الاعلام (أدوارد مورو) لكي يقود وكالة الاعلام والمعلومات التي شملت ولايتها ان تسهر على تصحيح وتحسين وتعميق الصورة الايجابية لأميركا في أوساط ودوائر العالم الخارجي. القوى المادية لا تكفي في تلك الأيام ايضا بدأت الأوساط الأكاديمية في الولايات المتحدة تتناول احاديث في علوم السياسة والاعلام تدور حول مقولة جوهرية، يمكن تلخيصها فيما يلي: إن القوة المادية لأي دولة لا تكفي وحدها لاقرار وتأكيد المكانة لتلك الدولة مهما بلغت هذه القوة المادية من تعدد الامكانات وثراء الموارد (تعريف القوة المادية هنا ينصرف بالذات الى القوة العسكرية والمنعة الاقتصادية). ان ثمة جانبا اخر لقوة الدولة هو الجانب غير المادي الذي ينبغي الاهتمام به ويلزم تطويره وتعظيم استخدامه جنبا الى جنب مع جوانب القوة الاخرى. في هذا السياق اصدر اثنان من اساتذة العلوم السياسية في أميركا هما بيتريا شراش ومورتون باراتز دراسة أكاديمية بعنوان (الوجه الثاني للقوة) ونشراها في مجلة العلوم السياسية (عدد سبتمبر 1962) وكأنما ليلفتا انظار واضعي السياسات ومتخذي القرارات في ادارة كينيدي بل وفي اي ادارة اخرى تتسلم مقاليد الأمور في العاصمة واشنطن، الى ان السيف وحده لا يكفي وان ترسانات الصواريخ ومنظومات الاسلحة السوبر - المتقدمة لا تحقق بمفردها المصالح القومية أو المزايا الاستراتيجية لبلد له تطلعات امبراطورية كما قد نسميها مثل الولايات المتحدة. تلك هي الدراسة الرائدة التي يشير اليها بالذات البروفيسور (جوزيف س. ناي) استاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد، حيث يتحدث في كتابه بعنوان (تناقض القوة الاميركية) عما يصفه بالعبارة التي بدأت تشتهر على أطراف الألسنة وأسنة الاقلام وهي: القوى اللينة أو القوى الناعمة - البروفيسور (ناي) يتطرق الى تعريف هذه النوعية من القوى حين يقول: - ان من حق بلد ما ان يحصل على النتائج التي ينشدها في مضمار السياسة العالمية حين تريد الدول الاخرى ان تتبع خطاه أو تنسج على منواله لأنها معجبة بالقيم التي يجسدها أو انها تريد تقليد النموذج الذي يمثله أو انها تطمح الى المستوى الذي يكون قد بلغه البلد المذكور من حيث الرخاء والتفتح.. هذا الجانب من جوانب القوة - الذي ينطوي على انك تحمل الآخرين على ان يفعلوا ما تريدهم انت ان يفعلوه - هو ما يمكن ان يصفه بأنه القوة اللينة أو الناعمة، انها - في ايجاز شديد - قوة التعاون والمشاركة لا قوة القسر والقهر أو ممارسة الضغوط. النموذج الايجابي أهم والمعنى ان السيف وحده لا يصنع القوة، بقدر ما يمكن أن يصنعها النموذج والقدوة. وربما يؤكد هذا المعنى ان أميركا لم تخسر أعجاب عالمها أو على الأقل قطاعات لا يستهان بها من شعوب هذا العالم منذ بروزها كقوة اعظم في الساحة الدولية بعد الحرب الكونية الثانية لا بفضل كميات الاسلحة المكدسة في ترساناتها ولا بفضل ما شنته من حملات عسكرية في كوريا أو فيتنام أو أميركا الجنوبية أو منطقة الكاريبي المتاخمة لحدودها وسواحلها - تلك كانت غطرسة القوة أو غرور القوة كما وصفهما يوما احد حكماء السياسة الخارجية الاميركية في عقد الستينيات - السناتور ويليام فولبرايت، ولقد تولدت عنها موضعيا صورة (الأميركي القبيح) أو (اليانكي المتغطرس). لكن الذي جذب اهتمام الناس في طول العالم وعرضه الى نموذج الولايات المتحدة كان بالأحرى المبادئ التي ظلت تروج لها منظومات الفكر والسياسة والدعوة في أميركا، انطلاقا من مواثيق ثورتها الاستقلالية عام 1776 واستنادا الى طروحات كبار مفكريها وواضعي دستورها - الاباء المؤسسين - توماس بين وبنيامين فرانكلين وتوماس جيفرسون واضرابهم، وهي مبادئ حقوق الإنسان وحرية الفرد في الاختيار وحرمة المواطن في حياته ومهنته ومسكنه وممتلكاته، فضلا عن تكريس المبادئ الاساسية التي يتمحور من حولها أي كيان سياسي للحكم في العصر الحديث، وفي مقدمتها مبدأ تناوب السلطة أو تداولها ومبدأ الفصل بين السلطات بما في ذلك استقلالية القضاء من ناحية، ومبدأ حرية التعبير بما في ذلك وجود الصحافة كسلطة رابعة من ناحية اخرى. توابل من هوليوود هذه (الصورة) الايجابية - هل نقول التي كانت مشرقة بل كاريزمية في بعض الأحيان بفضل توابل هوليوود التي اضافت مزيدا من التجميل والتزويق آليات الوهم السينمائي الجميل - هذه الصورة مالبثت أن تحولت مؤخرا فاذا بها وقد جللتها غشاوات وسحابات تكاد تعيد تشكيل المدرك الأميركي في ذهنية العالم - مدركا سلبيا مغرورا ومغترا، لا بقوة وهذا أمر بحد ذاته مشروع - بل مغتر بجبروته وذلك أمر لا يسيغه منطق العصر الذي تلاشت فيه المسافات واصبح من المتعين على اهله لا أن يعيشوا في مجتمع القرن الجديد بل ان يتعلموا كيف يتعايشون ويتفاعلون بعيدا عن منطق الاستضعاف من جهة وعن منطق الغطرسة والاستقواء من جهة اخرى. يلخص هذا التغيير السلبي في الصورة التي تطل بها أميركا اليوم على عالمها وعلى عصرها.. عبارة باتت تتردد حاليا في ادبيات السياسة الأميركية وهي: ازمة الدبلوماسية الشعبية - أو الدبلوماسية الجماهيرية أو العمومية أو الاعلامية أو دبلوماسية الرأى العام.. ايا كانت التسمية التي يختارها الباحث المهتم ترجمة لعبارة (ببليك دبلوماسي) في المصطلح الأميركي. رأي أميركي متخصص ويعبر عن هذه الازمة العنوان الذي اختاره مفكر أميركي مختص للمقالة التي نشرها مؤخرا في جريدة (نيويورك هيرالد تربيون) عدد 18 اغسطس 2002 ويقول العنوان: - صورة أميركا (في أعين العالم) مشكلة تنطوي على مخاطر جسيمة. في هذا المقال يقول بيتر بيترسون: - يخطئ أولو الامر في أميركا عندما يعكفون على وضع سياساتهم الخارجية دون ان يتدارسوا أمر تفاعلات تلك السياسات من حيث انعكاساتها وتأثيراتها خارج الحدود.. ولا يفكرون في كيفية بيعها (بمعنى ترويجها) بين صفوف الاخرين، من هنا يطالب الكاتب بأن توضح اميركا المبررات التي تدفع بها الى خوض الحرب التي اعلنتها على الارهاب فضلا عن المبررات التي قد تستند اليها الدول الاخرى لمساندة هذه الحرب بما يحقق مصالحها. ويرى الاستاذ بيترسون من ثم انه من الضروري ان تكون السياسة الاعلامية ماثلة حاضرة على مائدة وضع وصياغة السياسات الخارجية.. وان اخذ اعتبارات الرأى العام الخارجي - آراء الشعوب والدول الاخرى في الحسبان - أمر لا يعني مطلقا في رأيه التخلي لا عن مصالح أميركا ولا عن القيم التي تصدر، أو من المفروض، ان تصدر عنها. غير معقول في نظر الكاتب الأميركي ان تبدأ ولاية الرئيس الحالي بوش مثلا برفض التوقيع على اتفاقية كيوتو المتعلقة بالتغير المناخي للكرة الأرضية (بما يمثل امعانا من جانب واشنطن في تلويث اجواء العالم الذي نعيش فيه) وان تتشدد واشنطن في هذا السبيل فإذا بها ترفض أو تعوق انشاء أو تفعيل المحكمة الجنائية الدولية التي تعقد عليها الشعوب امال في اقرار وتطبيق مبادئ العدالة الدولية.. دع عنك ان تعلن واشنطن انها ماضية ولو بمفردها في مضمار ما وصفته بأنها حملة محاربة الارهاب. لابد ان تمارس عمليات الحوار والتفاعل والاقناع مع سائر الاطراف ذات الصلة وصاحبة المصلحة من دول ونظم ومن أمم وشعوب. اسمعوا الناس جيدا من جانبه يضيف الكاتب الأميركي قائلا: - ان على أميركا ان تصغي بصورة افضل، أن تسمع مليا ما يقوله الآخرون ومن الطرف الاخر للعالم، يورد الكاتب عبارة لصحفي باكستاني ينتقد فيها سلوك الأميركيين بقوله: - نحن نستطيع ان نراكم، ولكنكم لا تستطيعون ان ترونا. - والمعنى الذي يفسره الكاتب الأميركي هو ان واشنطن لم تبذل جهودا تكفي لاستطلاع رأي الاخرين، وهو يضيف في هذا الصدد قوله: - من الأسباب الرئيسية التي تبعد أميركا عن مراعاة حساسيات الشعوب الاخرى، ان حكومة واشنطن تنفق مبلغا سنويا لا يتجاوز 5 ملايين دولار فقط لا غير على استطلاعات الرأى العام الخارجي، وهذا مبلغ يقل عما يتم احيانا انفاقه على حملات الانتخاب أو حملات التجديد المحلية لاعضاء مجلس الشيوخ في الكونغرس في هذه الولاية أو تلك! ورغم ان بيتر بيترسون يركز حديثه على أحوال أميركا فقد يصح لنا ان نستفيد من ملاحظاته تلك في سياقنا العربي القومي، وخاصة حين يطالب بالحاح بأن تكون السياسة الاعلامية جزءاً لا يتجزأ من السياسة الخارجية مؤكدا على ضرورة ان تتناغم جهود الدبلوماسيين في وزارة الخارجية مع جهود الخبراء الاعلاميين في ادارات نفس الوزارة وصولا الى تصحيح صورة اميركا في الخارج. بغير ذلك فالعواقب في رأيه وخيمة، حيث يضيف قائلا: - تتمثل هذه العواقب في أن الكثيرين من غرب أوروبا الى الشرق الأقصى باتوا ينظرون الى الولايات المتحدة على انها بلد أو كيان مغرور، منافق، شديد الانانية لا يؤثر سوى ذاته ولا يرى أبعد من مصالحه فيما ينظر الى الاخرين بنوع من الاستهانة أو الازدراء. ويختم الكاتب دراسته بتحذير يقول فيه: - ولو لم تأخذ أميركا جانب السياسة الاعلامية على محمل الجدية فلن يظل شعور الحنق أو السخط ضدها مجرد مشكلة سياسية، بل سيصبح كارثة وساعتها تصبح أميركا وحدها في الساحة. مكتب الاتصالات الجديد ولقد نقول ان مثل هذه التحذيرات - وهي صادرة عن كثيرين من أهل الاختصاص - افضت بالبيت الأبيض الى استحداث دائرة اعلامية جديدة على أعلى مستوى في ادارة الرئيس بوش الحالية. تقول الأوساط العلمية في واشنطن ان هذه الدائرة ستخرج الى الوجود كما تمارس نشاطها في الاسابيع القليلة المقبلة، وسوف تحمل اسما رسميا هو: (مكتب الاتصالات العالمية) وتقول الصحفية كارين دي يونغ في مقال نشرته الواشنطن بوست في أول اغسطس الجاري: - ان المكتب هو من بنات افكار كارين هيوز وهي أكبر مسئول في البيت الابيض عن الجهود والعمليات الاعلامية التي تتم من المقر الرئاسي للولايات المتحدة. ورغم ان هيوز عادت لتقيم في لاية تكساس - فهي من بلديات الرئيس بوش كما يقول التعبير الدارج - الا ان المراقبين يلاحظون انها مازالت تسيطر على الكثير من مقاليد الامور الاعلامية في ادارة الرئيس بوش. ويضيفون الى ذلك ملاحظة ان عودتها ربما تعني بذل المزيد من المواءمة بين اعلام الداخل باعتباراته المحلية وبين اعلام الخارج باعتباراته الدولية، بحيث يتحقق النوع المنشود من الاتساق أو التناغم من حيث الرسالة الاعلامية شكلها ومضمونها على السواء. من جانبها تلاحظ الكاتبة كارين دي يونغ ان جهود المكتب الجديد سوف تضم انشطة يقوم بها القطاع الخاص في اميركا، ربما لان هذا القطاع غير الحكومي وغير الرسمي قادر أكثر من سواه.. الحكومي والرسمي على بث أو تمرير أو تسويغ الرسالة الاعلامية المنشودة وعلى كسب ثقة الناس بحكم الانشطة التي يمارسها بين صفوفهم بعيدا عن أطر الشكليات أو الرسميات. بيد ان المسألة لا تقتصر على مجرد النجاح في بث الرسالة أو في توسيع نطاق من يستقبلونها: المسألة تقتضي اساسا تغيير مضمون هذه الرسالة بما يجعل مفرداتها ومحتوياتها مقبولة من جماهير المتلقين. ضرورة تغيير المضمون هذا هو بالضبط ما يطالب به خبير اعلامي بارز هو جراهام فوللر، وكان مسئولا عن الانشطة الاعلامية التابعة للمخابرات المركزية الأميركية فيما يتمتع بخبرة واسعة في شئون الشرق الأوسط، يقول فوللر: - اذا رأى الناس عيوبا اساسية تشوب السياسة المتبعة، فلن يجدي فتيلا اي تجميل أو تزويق.. في هذا الاطار يسترعي المراقبون النظر الى دراسة اذيعت نتائجها في اواخر يوليو الماضي واستغرق اجراؤها 4 أسابيع كاملة، وافادت تلك النتائج ان استطلاعات الرأى العام في بلاد شتى تقول ان مشكلة الصورة السلبية لأميركا لا تقتصر فقط على منطقة الشرق الأوسط، بل انها تتعدى هذه المنطقة الى مناطق اخرى من العالم. ـ كاتب سياسي من مصر