اكبر النتائج المترتبة على ظاهرة انحسار القدوة والمثل من حياة الشباب ما نراه من تهالك يدعو الى الرثاء والاشفاق على كل ما هو غريب ومستورد من الافكار والقيم الغازية القادمة من شعوب لا تمت عاداتهم بصلة لعاداتنا ومواريثنا الاخلاقية. وحين يرخي الفراغ الفكري والسلوكي بظلاله على مشهد الحياة الاجتماعية، ويغيب المثل عن الحضور والاتصال مع الشباب الذي يبحث لنفسه عن هوية وانتماء، وعن فكرة يعيش لها، وينتمي اليها، يصبح من السهل ان يتجاوب كثير من افراد الجيل الجديد مع الصوت الاكثر ارتفاعا، والوجه الاكثر حضوراً، والفكر الاكثر تداولا، لا بسبب الانبهار بالموجة الغريبة القادمة فقط، ولكن بسبب ضعف الاصوات التي تنادي بالعودة الى الينابيع الطبيعية الصادرة من محيطنا الخاص، والمنتمية الينا تاريخا وجذوراً، وحركة استمرت لقرون تؤثر في عقلية الافراد، وتشكل انماط سلوكهم وفق نظرة مفادها ان القيم الأصيلة هي صمام الامان من الجنوح او الجموح، او التفلت، والذهاب بعيداً عن متطلبات الدور المناط بالانسان. وقد كانت الوسائل المتبعة في القرون الماضية قادرة على التأثير في نفسية الفرد، ولها من النفوذ والفاعلية ما يجعل الناس ينجذبون الى المضامين والاهداف التي اسستها المباديء، وأرستها قواعد الاخلاق. ومن اكثر الوسائل التي اثرت على خصوبة ذلك المجتمع وغناه بالموارد العلمية، والطاقات الشابة التي ادت دورها نحو المجتمع بكفاءة وامانة اثارت اعجاب العالم في تلك المرحلة التاريخية، ذلك الدور الذي لعبه «المؤدب» في حياة الاجيال التي ارتبطت به، ومدت معه حبال الوصل، وأرست جسور العلاقة الصلبة بكل ماله صلة بالمعرفة والثقافة والبناء. لقد كانت علاقة المؤدبين بالابناء الذين اسند اليهم أمر توجيههم ورعايتهم، علاقة تجاوزت في دفئها وغناها دور المعلم الذي لديه مادة محددة، ومنهج مقنن، ومفردات معرفية يريد ايصالها الى الناشئة، واخذت تنمو مع الزمن، وتعزز من مشاعر الانتماء الى تلك البيئة الواعدة في نفوس الدارسين. كان «المؤدب» يرى نفسه اباً ثانياً للاطفال الذين يتولى تأديبهم، وهو ما اكسب الاطفال الثقة بالعلم واهله، واكد لديهم الشعور بان طريق تحقيق الذات يبدأ من الالتزام والاستجابة مع تعاليم المؤدب، ونصائحه، وتوجيهاته الفريدة. انها علاقة قاومت مع الزمن عجلة الحياة السياسية التي كانت تتقلب ولا تثبت على خط مستقيم، ولكن امر التربية كان منيعاً، وفي منأى عن التذبذب او الاضطراب لقد كان اخراج جيل صلب يفهم لغة العلم جيداً، ويستعد للمستقبل بعيون قرأت الامس، وفهمت الواقع، وتملك نظرة طموحة الى المستقبل هو خيار المجتمع بأسره، وليس خيار افراد منه معدودين. واليوم وقد توارى دور «المؤدب» في صفحة مطوية من التاريخ المضيء لهذه الامة، ترنو الانظار الى «المعلم» و«المعلمة» للوفاء بذات الدور الذي برع فيه المؤدبون، واجادوا من خلاله التعامل مع الانسان، ونجحوا في مهمتهم، والتاريخ على ذلك يشهد. وما نشهده اليوم من تراجع المخرجات التعليمية، وانخفاض الطموح لدى افواج الخريجين والخريجات يجعلنا نتساءل عن طبيعة اداء المعلمين والمعلمات، ولماذا لم يستطيعوا ان يسدوا الفجوة التي خلفها «دور المؤدب»، ولماذا لم يتداركوا النواقص التي تظهر جلية وعلى مرأى ومسمع من الناس، فانخفاض الطموح، وضعف الاحساس بالقدرة على اضافة دور نوعي في الحياة العملية، وعدم القدرة على تحديد الاتجاه الامثل، والفتور في التعامل مع القضايا العامة، وصعوبة ترتيب الاولويات القادمة، أو تنظيم الافكار في اتجاه انجاح المهمات العلمية التي ستوكل إليهم في المرحلة الجامعية، هي اشارات واضحة على ان الجيل فقد الاتصال الحقيقي مع القناة الاولى التي كانت ومازالت مرشحة لبناء الانسان علما وخلقا ونفسا وسلوكا.. ان واجبكم ايها المعلمون والمعلمات اكبر بكثير من مجرد تلقين المنهج، واعداد ورقة الامتحان..