مخدرات جديدة.. لطيفة وخفيفة، لاتُشم ولا «تبلبع»، فطريقها ليس الانف ولا الفم، انها مخدرات من نوع غير عادي.. تراها العين وتسمعها الاذن، مخدرات لا يطاردها أو يطارد متعاطيها القانون، بل قد يكون القانون نفسه حامياً لها.. ومدافعاً عن حرية تداولها وتعاطيها..! ولما كان لكل مخدرات «غُرزة» يتم فيها التداول والتعاطي والفرفشة، فمخدرات هذا العصر لها اكثر من غرزة، وبطبيعة كونها مخدرات «هاي» يعترف بها القانون ويتداولها ناس يفترض انهم محترفون، فقد رؤى ان يكون لها مسمى جديد لا يخجل احد من النطق به.. ولا يخشى احد من ترديده بصوت عال خوفا من رقيب او حسيب ممن يطلق عليهم عادة اسم «مباحث»، الاسم الجديد لغرزة المخدرات الجديدة هو «فضائية»، وفي هذه الفضائية «الغرزة سابقاً» تعرض كل انواع المخدرات التي تتسلل الى متعاطيها عن طريق العين والاذن، وتؤدي مفعولها السحري في تغييب العقول.. وتسطيح المفاهيم.. انطلاقا من الحكمة القائلة: «الدنيا ربيع.. والجو بديع.. قفل لي على كل المواضيع»، وبناء عليه فبعد جرعة ثم جرعة يتم تلقائياً التقفيل على كل المواضيع، بدءاً من الاوضاع المقلوبة في العالم العربي.. وانتهاء بشارون وبوش.. والانتفاضة ذاتها..! «الغرز الفضائية» افيونها التفاهة والتسطيح.. وهيروينها «الصبايا» الفاتنات.. «المقلوظات» الساحرات، وحشيشها خليط من المسلسلات المكسيكية «صنف اكسترا».. والمسلسلات العربية «فرز اول».. والافلام من درجة «هابط» ونازل، اما «البانجو» فيها فأطنان من «الفيديو كليب» المحلي المستورد، وهو احدث انواع المخدرات الشبابية المتخصصة في غسل العقول ـ ان كانت هناك عقول ـ، وفي «تبييض» الامخاخ لمحو ما قد يكون بها من بقع ثقافية او قومية.. او دينية..! «الغرز الفضائية» مفتوحة لاستقبال الجميع على مدار الاربع والعشرين ساعة، تتنافس جميعها في جذب المتعاطين الى بضاعتها بشتى الوسائل، وحتى الفضائيات الحكومية انتهزت الفرصة لحل مشكلة «طفشان» الناس منها، فبالغت في استخدام المخدرات الفضائية علها تجذب انظار واسماع من هربوا منها ومن سماجة ما تقدمه ليل نهار، وعلى طريقة «دس السم في العسل» بدأت هذه الفضائيات المحسوبة ظلما على الاعلام في حقن برامجها بجرعات مكثفة من افيون وهيروين وبانجو الفضائيات الخاصة، فاصبحت خليطا مضحكا من ثقل الدم الممجوج والاستظراف المبالغ فيه.! خطورة «الغرز الفضائية الخاصة».. مع فداحتها.. اصبحت اهون واخف ضررا من وضع «الغرز الفضائية الحكومية» والتي يفترض انها ـ الى حد ما ـ جادة، حين تدس بين برنامج ترفيهي للفرفشة وآخر من نفس النوع برنامجا سياسيا جادا يضم اسماء ثقافية واعلامية وسياسية لامعة، يتبارى فيه الجميع في تثبيط الهمم.. وفي تبرير الهزائم.. وفي الترويج للتنازلات.. وفي الدعاء بطول العمر للقادة والحكام الذين لم ولن يجود الزمان يوما بأمثالهم..!، وحين يرتفع ضغط المشاهدين.. وينتابهم الضيق والقرف.. وقبل ان تمتد اصابعهم الى «الريموت كونترول» لتخليصهم من هذا «الغم» مدفوع الاجر يكون البرنامج الحواري «المقلب» قد ادى مهمته التسطحية بنجاح، بعد ان تنافس اصحاب الاسماء اللامعة من ضيوفه ـ وفقا للسيناريو المرسوم لهم ـ في الدفاع المستميت عن كل ما هو غلط.. وفي الهجوم «المستميت ايضاً» على كل ما هو صح، وهنا تأتي لفتة مشكورة من «الغرزة الفضائية» لمكافأة المشاهدين الذين صمدوا وتحملوا تخريفات البرنامج المذكور بباقة مختارة من الهلس الفني حافلة بكم لا يستهان به من اللحم الابيض المتوسط لزوم «الهز ياوز».. وبقدر محترم «او غير محترم» من الآهات والتنهيدات المصاحبة للبرنامج الـ «ترفيهي»..! بعض «الغرز الفضائية» تقدم خدماتها لجمهورها لتسحب فلوسهم.. والبعض الآخر يقدم خدماته ليسحب عقولهم.. وهذا هو الاخطر، فالفلوس تروح وتجيء.. اما العقول فالعوض على الله فيها ان راحت، فالتقدم العلمي لم يصل حتى الآن الى امكانية «زرع العقول»، ومن هنا تأتي خطورة «غرز الفضاء السياسية» التي تقوم بغسل الامخاخ بنفس السهولة التي تتم بها اليوم عملية غسيل الاموال، مع فارق ان غسل الاموال يجعلها اكثر تحررا وانطلاقا.. اما غسل العقول فيجعلها اكثر غباء وانغلاقا.. مما يؤكد نقاء «الصنف» وجدواه في تحقيق اهداف الغرزة الفضائية..! في النهاية.. وفي كلا الحالين.. يتحول المشاهد العربي الحائر بين الغرزتين الى «مسطول عربي».. في مواجهة «الاسطول الاميركي» وما يتبعه من «اساطيل» لا تجد من يواجهها الا «مساطيل»..!