رغم انني لست من هواة مشاهدة الأفلام البوليسية، ولا تستهويني قراءة أخبار الحوادث ـ لكن خبر القبض على سارق سيارة بعد مطاردة عنيفة أصيب خلالها أحد أفراد الأمن استوقفني كثيراً، وما ان انتهيت من قراءته حتى شعرت وكأني انتهيت من مشاهدة فيلم هندي أو فيلم بوليسي أميركي « نُص كُمْ».. فتفاصيل المطاردة حسب ما وردت على لسان مدير فرع المباحث في ادارة المرور والترخيص في أبوظبي تشير إلى قيام أحد الاشخاص وهو بحالة سُكر بسرقة سيارة تركها سائقها أمام أحد محلات البقالة، وهرب بها، تمكنت بعد قليل إحدى دوريات الشرطة من رصدها وهي متجهة الى خارج مدينة أبوظبي. إلى هنا والحادث لا نقول إنه عادي لكن يقع مثله العشرات يومياً، والاجراءات تسير بشكل سليم وصحيح ولا غبار على ذلك، لكن «السيناريو» الذي تلا ذلك حين رفض السارق الانصياع لأوامر دوريات الشرطة وواصل سيره متجاوزاً جميع الاشارات الضوئية الحمراء، وتعامل الشرطة معه بمبدأ «العين بالعين» يترك عشرات العلامات من استفهامية وترقيمية وغيرها.. ويدعونا للتساؤل اين سلامة الناس الأبرياء مستخدمي الطرقات وكذلك سلامة رجال الأمن أنفسهم من ذلك الإجراء..!!! فالسارق وهو مخمور جاب الطرقات وانحرف وانعطف ودخل مناطق وقطع جسوراً وطار بالسيارة لمسافات طويلة على الطرقات الخارجية المؤدية إلى دبي تعرضت خلالها احدى دوريات الشرطة لحادث مروري أصيب أحد أفرادها ليتم بعدها توجيه دوريات كثيرة لقطع الحركة وتحريك اخرى على التقاطعات والجسور الموجودة على جميع الطرقات الخارجية لتطويق السيارة المسروقة وتوقيفها مع إعطاء أوامر لهذه الدوريات بإطلاق النار على الاطارات...!! ورغم ذلك واصل السارق الهروب بسرعة جنونية ولم يوقفه إلا حادث اصطدام سيارته بالرصيف حيث كادت السيارة وبشهادة رجال الشرطة أنفسهم ان تتدهور لسرعتها العالية وعندها تم القبض على السارق المخمور.. ونحمد الله ان السيارة اصطدمت بالرصيف ليضع بذلك حداً لمطاردة يعلم الله وحده النتائج والخسائر التي كان من الممكن وقوعها سواء في صفوف رجال الشرطة أو بين جمهور مستخدمي الطرقات الذين صادف مرورهم في الطرقات وقت المطاردة، أو حتى السارق نفسه الذي لم يحسب حساب طيشه وعربدته، لقد كان الجميع في خطر حقيقي ولا شك.. والواقع لا أدري ان كان رجال المرور في شرطة أبوظبي يتفقون معي إن سوء تقدير مغبة تلك المغامرة قد لازم قرار المطاردة التي كانت عنيفة بكل المقاييس، ام يرونه قراراً صائباً وأمراً لم يكن منه بد.! أقول هذا وجميعنا يعلم إن قانون المرور عندنا لا يجيز المطاردة خاصة في الطرقات الداخلية، ولكن هذا حدث ـ مع الأسف ـ ولم يتم مراعاة سلامة الناس هناك. هذا كله والسارق كان تحت تأثير نشوة السكر أي لا يعي ما حوله، ولا يدرك حقيقة تصرفاته، لكنه ـ مع الأسف ـ أقولها ثانية تمكن من جر رجال الشرطة ودفعهم لمطاردته. ولا أعني هنا حماية المجرمين أو تركهم يفرون بجريمتهم ـ لكن الحكمة.. الحكمة حتى في أداء الواجب.. نعم.. نتفق مع رجال الشرطة إن سرقة سيارة قد تكون بداية لارتكاب جرائم كبيرة وخطيرة، لكن مهما كانت جريمة هذا الشخص وطيشه فإن ذلك لا يستحق ان نضحي بنفوس الأبرياء. لقد كان في وسع رجال المرور التعامل مع هذه الحالة بشيء من التروي دون اللجوء الى المطاردة، فدوريات الشرطة الثابتة منها والمتحركة تملأ الطرقات والتنسيق والتعاون بين مراكز الشرطة في مدن الدولة قائم على أعلى المستويات، وهي إجراءات لو تم اتباعها لكنا في غنى عن مطاردة السيارة المسروقة. ثم أليس هناك اختراع يسمى «المروحيات» أو «الحوامات» كان من الممكن لو تمت الاستعانة بها أن تتابع السارق بكل هدوء ودون تعريض حياة اي شخص للخطر. ولكن ماذا عن اولئك الذين يتركون سياراتهم وهي في حالة تشغيل دون داع وينزلون منها لقضاء حاجة، ثم يتذكرون السيارة «السائبة» التي علّمت الآخرين السرقة هؤلاء ينبغي محاسبتهم ايضاً. اسئلة كثيرة تفرضها تلك المطاردة نتمنى ان تطرح على طاولة البحث وأن تتداول بمنتهى الصراحة. والبيان الذي وزعته الشرطة على وسائل الاعلام لاظهار رجالها كأبطال ينافسون ابطال الفيلم الاميركي «رامبو» في اجزائه الثلاثة، اثبت ان رجال الامن لدينا لا تناسبهم مطلقاً ادوار البطولة في افلام «الاكشن» لان أمن المجتمع وافراده أهم وأرقى!!