الذباب «ثورة نزار» ـ شعراء هذا العصر جنس ثالث فالقول فوضى والكلام ضبابُ يتهكّمون على النبيذ معتقاً وَهُمو على كأس النّبيذ ذبابُ «نزار قباني» هكذا ثار الشاعر الكبير نزار قباني على دعاة الحداثة من أدعياء هذا الزمان من الشعراء فسماهم «جِنْس ثالث» لأنهم أصحابُ كلامٍ ليس هو بالشعر العربي المعروف ولا هو بالنثر الأدبي المفهوم. وكما قال نزار قباني ذلك شعرا في الأبيات السابقة فقد قاله نثرا حين قال عن الشعر الحديث: « .. هذا الكلام الذي لا علاقة له بالكلام والذي لا يمكن تصنيفه لا في خانة الشعر ولا في خانة النثر ولا في خانة الذكورة ولا في خانة الأنوثة ولا في خانة الأبراج ولا في خانة الكلمات المتقاطعة». الحداثة ليست تعديلاً في شكل الشعر ووزنه وقافيته فقط يظن الكثيرون ان الحداثة ما هي إلاّ ثورة على شكل الشعر العربي الأصيل وكتابته في صورة أسطُرٍ بدلاً من الأشطر والابيات، موزونا مقفّى.. والحقيقة أن ذلك هو الشكل الخارجي لثوب الحداثة أما المضمون فهو ثورة على كل ثابت وأصيل من عقائدنا الاسلامية والعربية واخلاقنا ومعتقداتنا واليك أيها القاريء العزيز شهادات من أفواه رموز الحداثة في الوطن العربي على الحداثة بدعوتها إلى نسف كل ثابت من ثوابت هذه الأمة. ـ يقول يوسف الخال «الحداثة في الشعر إبداع وخروج على ما سلف». ـ يقول جابر عصفور مؤكداً على ان الحداثة ليست في شكل الشعر ولكنها ثورة على الجذور: «الحداثة في الشعر ليست مجرد مغايرة في بعض العناصر الشكلية او المضمونية بل هي مغايرة شاملة تتجاوز بعضيّة العناصر الى كُلية العلاقات التي تحتويها فتصبح إحداثاً شاملاً ينطوي على رؤيا عالم جذرية». تشويه التاريخ الحداثيون عامدون الى تشويه ماضي هذه الامة بالوقوف على سلبيات حدثت في الماضي متجاهلين كُلّ أمجاد الماضي وعصوره الذهبية وقد علم منهم ذلك الاستاذ الناقد العربي الكبير إحسان عباس فقال عن أحد رموزهم وهو ادونيس حين قال «وأما ادونيس فإنه يطيل الوقوف عند الجوانب السلبية في تاريخنا حتى لتبدو لهجته رفضاً كُلياً». الشعر الحديث شعر سائب يقول الشاعر محمود درويش: «إن الشعر العربي الحديث .. شطح شطحات بعيدة جعلت الاغتراب عن الناس إحدى السمات البارزة له في العلاقة بين الشعر والناس .. أنا أرى أن الشعر العربي الحديث ليست له ضوابط وليس هناك نقد حقيقي يواكب هذه الحركة فالحركة، سائبة بدون أي ضابط». قصيدة النثر ويقول محمود درويش: «كأن قصيدة النثر هي الشعر الوحيد الحقيقي وكأن الوزن واتقان الأدوات اللغوية نوع من السلفية او الرجعية انا لا اعتقد ذلك اذا كانت ادوات الشاعر هي اللغة فعليه ان يتقن لغَتهُ». الركاكة وسهولة النشر ويقول محمود درويش «نحن نرى ظاهرة عامة في الشعر العربي الحديث: الركاكة ومصدرها سُهولة النشر» . إقرار بالتغريب والصلة بالغرب ويقول جبرا ابراهيم جبرا عن الشعر الحديث: «انه لا مفر من الاقرار بأن حركة الشعر الجديد متصلة بحركة الفن الحديث في أوروبا أو قل في العالم كُلّه». موت الشعر يقول زكريا تامر في مجلة الناقد: «لقد مات الشعر مقتولا والقتلة هم الشعراء، لم يعد الشعر ديوان العرب الذي يفتخر به وتحول إلى دابةٍ للشعراء العرب يركبها من شاء وكيفما شاءَ وَأنّى شاءَ فما ينشر على انه الشعر الخالص إذا قورنَ بمقال عن زراعة البصل والثوم فاز الثاني بجائزة الشعر كأنه إلياذة هوميروس .. إن معظم ما ينشر من شعر حديث لا يرقى مستواه الفني الى مستوى تعليق سياسي يكتبه صحفي سياسي». خاتمة الشعر العربي يقول زكريا تامر: «أصبح الشعر بائساً فقيرا لا مملكة ولا جمهورية وتدهور وأسَف حتى أغرى الصغار من فاقدي الموهبة بالتجرؤ عليه وانتهاك مقدساته». هامش كل هذه الشهادات نقلتها من كتاب رائع للاستاذ الدكتور السوري وليد قصاب نال عنه جائزة أدبية كبيرة. والكتاب اسمه «الحداثة في الشعر العربي المعاصر حقيقتها وقضاياها رؤية فكرية وفنيّة». والكتاب وثيقة مهمة شاهدة على هذا الذنب الذي احدثه منظرو الحداثة في عالمنا العربي الغافل عما يحاك ضده أدبيا. وجميع هذه الشهادات يمكن مراجعة مصادرها التي وثقها الاستاذ الدكتور وليد قصاب في هوامش كتابه القيم.