أواصل مع قراء هذه الصحيفة الغراء عرض أبرز فقرات الحديث الذي اجريته على ضفاف نهر الراين بألمانيا، مع المرشح السابق للانتخابات الرئاسية الأميركية، وعالم الاقتصاد المعروف ليندن لاروش، في هذه الذكرى الأولى للعدوان الارهابي على نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر 2001. قال لي لاروش: «ان الولايات المتحدة الأميركية تعيش اخطر ازمة وأعمق كسر منذ نهاية حرب فيتنام.. فحرب فيتنام وجدت كذلك هي الاخرى نفس الصقور ودعاة الخراب الذين برروا للشعب الاميركي بتعلات ضرورة انقاذ جنوب شرقي اسيا من المد الشيوعي، وكانوا كذلك قسموا العالم الى محور الخير الديمقراطي الليبرالي ومحور الشر الشمولي الشيوعي.. وقد كلفت هذه النظريات الطوباوية او اليوتوبية الشعب الأميركي غالياً.. واليوم نفس النظريات لنفس المصالح تكرر التعلات لاعلان الحرب على العراق واطلاق يد شارون فيما تبقى من ارض وشعب فلسطين، كأنما مقاومة الارهاب هي دين أميركا الجديد او المبتدع، بينما الارهاب في الحقيقة هلامي غير محدد بدين او بدولة او بحضارة.. وهو نتيجة تراكم اخطاء في حسابات الدول الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية وما فرضته على بقية العالم من نهج بريتون وودز وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي. واليوم بنهج العولمة الجائرة وايقاف التضامن الدولي الحقيقي وضرب المجتمعات المدنية والغاء القانون الدولي، واذكاء الصراعات القومية والطائفية والجهوية ثم اعلان صراع حضارات! يغلّف نوايا الهيمنة والطاغوت بقناع الاختلاف الحضاري والثقافي بين ما يسمى الغرب وما يقابله من عالم اسلامي وعالم كنفوشي «نسبة لكنفوشيوس أي الصين تحديدا» والحلول التي ما فتئت ادعو اليها ومنذ اربعين عاما هي حلول التضامن الحقيقي والفعال بين دول أمم حرة وذات سيادة من اجل التقدم والسلام، مثل العودة الى طريق الحرير الذي كان يربط بين اوروبا واسيا وافريقيا. فالتضامن الانساني يمر عبر حوار الثقافات والاديان، واعتبار ما يجري في قارة اخرى يمسك شخصيا في النهاية.. مثل قضية وباء الايدز التي نبهت اليها في مطلع الثمانينيات محذرا الدول الغنية ـ في ذلك الزمن المبكر ـ من ان مرض الايدز الذي لم يكن وباء آنذاك سيصبح فاجعة العصر، لان الفيروس لا يعرف الحدود ولا يقف عند الجمارك، وناديت بحملة تضامنية احترازية ولكن لا حياة لمن تنادي حتى استفحل الخطب واصبح ضحايا الوباء في كل دول العالم يعدون بعشرات الملايين، وقس على ذلك معضلات البيئة ونقص الغذاء وشح الادوية وتناقص المياه.. والفجوة المتعمقة باستمرار بين الفقراء والاغنياء.. وهذه الفجوة هي التي اقترحنا لها حلولا تنموية وصناعية.. واقترح لها اعداؤنا امثال ماك كايسن وجوزف ليبرمان وصمويل هنتنجتون، حلولا اخرى تتمثل في اعلان الولايات المتحدة الحرب الشاملة ضد الشعوب التي تسميها هي «مارقة»، اي في الحقيقة رافضة للانتحار البطيء.. وذلك ما جرى في افغانستان وقبله في فيتنام وقبله في اليابان، حيث دمرت مدينتان بالقنابل النووية، ونفس المنطق الاجرامي الحربي يجر اليوم الولايات المتحدة لحرب ضد العراق وربما ضد امم اخرى حسب مخطط اصبح مع الاسف يضعه ارييل شارون لما يعتقد انه يخدم اسرائيل. وانظر اليوم الى اصوات ترتفع ضد حرب العراق من كسينجر نفسه ومن كولن باول ومن شوارسكوف، بالاضافة الى تنامي شعور الخوف من هذه المغامرة الذي حشد الاتحاد الاوروبي كله تقريبا بزعامة شروريدر وشيراك وجانب هام من الطبقة السياسية البريطانية الموالية تقليديا للولايات المتحدة.. اما المحيطون بالرئيس دبليو بوش من جناح العسكريين والمتعيشين من الصناعة الحربية والمضاربة بالاسواق، فهم بالطبع يدفعون في اتجاه الحرب من اجل ما يسمونه: الاحتواء، وهي عقيدة وزير الخارجية الاسبق جون فوستر دالاس.. عوض الاقرار بعجز الولايات المتحدة عن ان تصبح قوة ثقافية واخلاقية للجم وترشيد قوتها العسكرية والتكنولوجية، وما بين الحمائم والصقور يظل الرأي العام الأميركي ـ والغربي عموما ـ متأرجحا يعاني من عملية التلاعب بالعقول التي تتقنها اجهزة الاعلام التابعة لهذه اللوبيات المؤثرة والمنادية بالحرب». والامل معقود ـ كما يؤكد ليندن لاروش ـ على التغيير الحاصل في صلب الرأي العام الاميركي. فقد تحركت مجلة «تايم» لتقول في الاسبوع الماضي بأن حال افغانستان اليوم هو اسوأ مما كان عليه قبل الحرب الاميركية «للقضاء على الارهاب..» وان شارون ليس لديه خطة سياسية لحل الازمة الفلسطينية غير الحرب المدمرة وبناء جدار ملعون يفصل بين الشعوب، وتركيا ايضا تعلن انها لا توافق على حرب مرتجلة واحادية القرار ضد العراق، بالطبع الى جانب العرب والمسلمين وفي طليعتهم المملكة العربية السعودية ومصر.. وانت تلاحظ ان محور الحرب والجنون يصب جام احقاده على هاتين الدولتين لكونهما قطبي توازن واعتدال في الامة الاسلامية والعالم العربي.. لكنهما لا تفهمان ومعهما الحق لماذا تتصرف الادارة الاميركية بهذا الشكل الجائر تجاه القضية الفلسطينية، دون وجود ضوء في نهاية النفق الشاروني. وحتى في صلب حلف شمال الاطلسي «الناتو» تتحرك قوى عسكرية لتشكك في منطلقات ونتائج حرب محتملة ضد العراق.. فأنا ارى ان الجيوش يجب ان تخدم السلام لا ان تخدم الحرب من اجل الحرب. فلا احد يضمن ما الذي ستجنيه منطقة الشرق الاوسط واميركا والعالم من حرب بلا سبب مقنع، وبلا خطة استراتيجية، وبالطبع كما يعرف الرئيس بوش.. بلا حلفاء! ـ استاذ الاعلام في جامعة قطر