كم تكلف بناء وتجهيز معكسر الاعتقالات الأميركي الضخم الذي اقيم في قاعدة غوانتانامو البحرية، بمواصفاته الخاصة المعقدة التي تشمل، بالاضافة الى ما يناهز ألف زنزانة، تجهيزات الكترونية للمراقبة؟ المعسكر كما هو معلوم أقيم خصيصا لايواء المئات من المشتبه بأنهم من كوادر ومؤيدي تنظيم «القاعدة» من جنسيات مختلفة ممن اعتقلوا في افغانستان وغيرها. ان خير من يجيب على السؤال المطروح بشأن تكلفة بناء وتجهيز هذا المعسكر الاعتقالي الاسطوري هو ديك تشيني، ليس بصفته نائب رئيس الولايات المتحدة الاميركية، وانما بوصفه رئيس مجلس الادارة والمدير العام لشركة الانشاءات والمقاولات التي حصلت في وزارة الدفاع الأميركية على التعاقد الخاص بانشاء المعسكر. وهذا هو الوجه الآخر للحملة الاميركية «لمحاربة الارهاب» واصرار الرئيس بوش وكبار مساعديه وفي مقدمتهم نائبه ديك تشيني على استمرارها. فهناك مصالح لشركات كبرى يرعاها كبار المسئولين في الادارة الاميركية بحكم ارتباطهم الحيوي بهذه الشركات. «هاليبيرتون» هو اسم الشركة التي يترأسها ويديرها تشيني. ومن بين عشرات الروايات الاخبارية والتحقيقات والتحليلات التي حفلت بها الصحافة الاميركية خلال الشهور القلائل الاخيرة بشأن الشركات الكبرى الاميركية وفضائح التزوير في حساباتها لخداع جمهور المستثمرين في اسهمها، اجتذب انتباهي تقرير اخباري في «نيويورك تايمز» عن شركة ديك تشيني. وبينما لا يشتمل التقرير على حالة تزوير إلا انه يشرح كيف ان الشركة أفادت من نفوذ تشيني على الصعيد الحكومي كنائب لرئيس الجمهورية حاليا ووزير للدفاع سابقا. «هاليبيرتون» متخصصة بصورة اساسية في تقديم منتجات وخدمات الى الشركات العاملة في مجال النفط والطاقة.. لكن لها ايضا فرع يعمل في مجال مقاولات البناء والانشاء. والنقطة الرئيسية في التقرير الاخباري هي ان «هاليبيرتون» حصلت على ارباح ضخمة من عقود حكومية وقروض مصرفية، بعد ان تولى رئاستها وادارتها ديك تشيني. واذا كان من بين هذه المكاسب عقودات تتعلق بحملة «مكافحة الارهاب»، فكم من الشركات الكبرى الاميركية بات انتعاشها معتمدا على استمرار هذه الحملة وتوسيع نطاقها في انحاء العالم؟ والى أي مدى تبقى رؤية الادارة الاميركية للعالم مرتهنة الى مصالح تجار الحروب من خلال وكلائهم على مستوى السلطة العليا؟! ان الوقائع التي تحكيها بالارقام «نيويورك تايمز» عن شركة تشيني تتحدث عن نفسها بنفسها. قبل ان يتولى تشيني ادارة الشركة كان ما حصلت عليه الشركة من قروض او ضمانات مصرفية لا يتجاوز 100 مليون دولار في مدى خمس سنوات. وما ان دخل تشيني في الصورة كوزير دفاع اولا ونائب لرئيس الجمهورية ثانيا، حتى تصاعد هذا الرقم اضعافا مضاعفة الى 1500 مليون دولار. اما ما حققته الشركات من مكاسب في العقودات الحكومية التي حصلت عليها بواسطة تشيني، فقد بلغ نحو اربعة مليارات دولار. ان توزيع التعاقدات الحكومية الكبرى في الولايات المتحدة يقع تحت اشراف لجنة خاصة في الكونغرس يطلق عليها لجنة الاعتمادات المالية. ومن خلال «الحزب الجمهوري» الحاكم يتمتع ديك تشيني بقدر من النفوذ على هذه اللجنة.. ذلك ان اعضاءها كلهم «جمهوريون». ومن طرائف ما روته «نيويورك تايمز» في هذا الصدد ان «هالبيرتون» تدفع «تبرعات» لهذه اللجنة، تضاعفت قيمتها عندما صار تشيني نائبا لرئيس الولايات المتحدة. وبينما يستمر الوجود العسكري الأميركي الناشط على الاراضي الافغانية وفي الفلبين وتخطط ادارة بوش لتصعيده وتوسيع نطاق «الحملة ضد الارهاب» لتشمل العراق وغيره، يجب ان نضع في الاعتبار ان احد اهم الدوافع التي تحرك مسلك كبار المسئولين في الادارة الاميركية في هذا الاطار مصالح ما يمثلون من شركات كبرى. فكلما تسارع ايقاع «الحملة ضد الارهاب» واتسع نطاقها، كلما تضاعف عدد العقودات الحكومية لسلسلة من الشركات العاملة في مجالات شتى، من امدادات الاسلحة الى امدادات الاغذية عبورا بانشاء المعسكرات والمخيمات وتوريد المعدات التكنولوجية بأصنافها. ان «الحرب على الارهاب» هي في حقيقتها ضرب من «البيزنيس».. ابشع انواع «البيزنيس»!